‏إظهار الرسائل ذات التسميات قادة الى الامام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قادة الى الامام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 فبراير 2021

عبد اللطيف زروال: “أموت فداك يا وطني”

 بقلم عبد اللطيف زروال

      كتبت هذا المقال في نهاية 2015 بطلب من الفقيد عبد اللطيف حسني في إطار ملف حول الاغتيال السياسي في المغرب كانت ستنشره مجلة “وجهة نظر” التي كان يديرها. للأسف، كان المرض اللعين قد تمكن منه و لم يمهله حتى يخرج ذاك الملف إلى النور. ارتأيت نشر هذا المقال، بمناسبة حلول الذكرى 43 لاستشهاد المناضل عبد اللطيف زروال، كما هو دون تعديل. و هو في الحقيقة ثمرة مجهود جماعي في إطار “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال” حيث كنا قد قررنا جمع شهادات حول الشهيد بغية نشرها في كتاب. لا زال المشروع قائما و سيخرج إلى النور في القريب العاجل. أود هنا التنويه بالدور الأساسي الذي لعبه و ما زال يلعبه الرفيق عبد الرحيم الخادلي في مشروع حفظ الذاكرة الذي بدأناه في إطار”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”. كما أهدي هذا المقال لروح الفقيد عبد اللطيف حسني الذي لولا إلحاحه لما كان سيخرج للوجود.

           عبد اللطيف زروال عضو “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”

***********************

المرجو النقر هنا لتحميل الملف بصيغة PDF

    يوم 15 نونبر 1974، كان المعتقل السياسي عبد الرحمان نودا يرقد فوق سرير بالطابق الخامس بمستشفي ابن سينا بالرباط[1] حين أخبره أحد عناصر قوات التدخل السريع المكلفة بحراسته بأن أحد المعتقلين قد توفي بالأمس فوق نفس هذا السرير. مضيفا بأن هذا المعتقل كان “في وضعية متدهورة وحاول الحراس الدردشة معه من أجل تمضية الوقت، لكنه استسلم للنوم، وبعد أن حاولوا إيقاظه وجدوه ميتا”[2]. تقول بعض الروايات بأن آخر ما تفوه به هذا الأخير قبل وفاته هو عبارة “أموت فداك يا وطني”. لا يعلم أحد مدى صحة هذه الرواية. لكنها تؤكد بأن الأمر يتعلق بشخصية غير عادية. لم يكن هذا المعتقل الذي كان يبلغ من العمر 23 سنة وستة أشهر يوم وفاته أي يوم 14 نونبر 1974 سوى أحد أبرز قادة منظمة “إلى الإمام”: عبد اللطيف زروال.

من الاختطاف إلى الاستشهاد 

يوم 5 نونبر 1974، كان عبد اللطيف زروال عضو الكتابة الوطنية لمنظمة إلى الأمام على موعد مع أحد القياديين بمنظمة 23 مارس. كان رفيقه أبراهام سرفاتي قد اتفق معه قبل الموعد بنصف ساعة على العودة إليه في ساعة لاحقة وكان مكان اللقاء هو ملتقى شارعي الزيراوي والزرقطوني بالبيضاء. انتظره أبراهام لكنه لم يأت وهو المضبوط المواعيد. كان عبد اللطيف قد سقط في كمين نصبته له الشرطة السرية. فهو لم يكن يعلم بأن الشخص الذي سيلتقيه قد اعتقل واعترف بمكان وزمان الموعد. اقتيد زروال إلى المعتقل السري بدرب مولاي الشريف بالبيضاء. تعرض فيه لتعذيب همجي متواصل لمدة أسبوع. رفض عبد اللطيف الإدلاء بأي معلومات. كان الصمت سلاحه في مواجهة الجلاد قدور اليوسفي ومساعديه من أعضاء الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. يروي “مصطفى خلال” أحد رفاقه في المنظمة: “أخذوني  إلى  كوميسارية  المعاريف  بالدار  البيضاء. وفتحوا  باب  إحدى  الزنازن  كي  أرى  عبد  اللطيف . مع  انفتاح  الزنزانة  رفع  عبد  اللطيف  رأسه  فزعا  فزع  أي  شخص  يفتح  عليه  باب مكان  ما  فجأة. بقي  البوليسي  واقفا  ينظر  إليه  دون  أن  يوجه  إليه  أية  كلمة. ربما كان يريد أن يمنح لي و لعبد اللطيف  بعض  الثواني  كي نركز  نظرنا  جيدا   في  بعضنا  البعض. رأيت  عبد  اللطيف  ممددا  على  الإسفلت العاري وبدون  أغطية  ولا  فراش. كان  ممددا  على  جنبه  الأيمن. رفع  رأسه  وقد  حاول  الاتكاء  على  كتفه  وهو  ينظر إلينا في  حين  كان  الوضع  الطبيعي  هو  أن  يتكىء  على  كوعه  كي  ينظر  إلينا  فيما  إذا  أراد أن  يبقى  ممددا  أو  أن  يتخذ  وضع  الجلوس  . كان  واضحا  أنه  كان  عاجزا  عن  أن  يتخذ  أي  وضع  من  هذين  الوضعين  الطبيعيين  نظرا  لما  تعرض  له  من  تعذيب مفرط.  بعد  انصرام  بعض  الوقت  كما  أسلفت،  وجه  إليه  الجلاد  السؤال  فيما  إذا  كان  يعرفني. حرك  عبد  اللطيف  رأسه  نافيا  معرفته  بي.  ثم  سألني  الجلاد  نفس  السؤال  وأنكرت. ثم  أغلقوا  الباب. […] كان  سكان  “الدرب”[3]  جميعا  على  علم  بالمستوى  الرهيب  للتعذيب  الذي  مورس  على  عبد  اللطيف  زروال .  كانوا  كلهم  يثيرون  صموده  البطولي  ورفضه  المطلق  عن  الإجابة  عن  أي سؤال  يطرح  عليه . ولم  أعد  أذكر  من  من  هؤلاء  قال  لي  أنه  رأى  زروال  يُحمل  في  غطاء  من  طرف  أربعة حراس  لحمله إلى حيث  يريده  الجلادون.”[4]  ولإجباره على الكلام، اختطفوا والده الذي اقتيد إلى نفس ذاك المعتقل السري حيث تم تهديده بالقتل والتعذيب أمام ابنه. لكن هذا الأخير أصر على الصمت ولم ينبس ببنت شفة. تدهورت حالته الصحية جراء التعذيب الوحشي فتم نقله إلى مستشفى ابن سينا يوم 12 نونبر 1974 تحت اسم مزور هو عبد اللطيف البارودي لتنتهي حياته القصيرة بعد يومين من دخوله المستشفى.

من برشيد إلى الرباط 

ولد عبد اللطيف زروال ببرشيد يوم 15 ماي 1951. تربى في كنف عائلة وطنية. فقد كان والده، الذي درس بجامعة ابن يوسف بمراكش، مسؤولا بحزب الاستقلال في منطقة أولاد الحريز. وكان قد اعتقل مع عدد من أفراد أسرته إثر أحداث فرحات حشاد سنة 1952 وأبعد بعدها للدار البيضاء بقرار من السلطات الاستعمارية. أمضى عبد اللطيف جزءا من طفولته بالمدينة القديمة بالبيضاء معقل المقاومة المسلحة التي كان والده على ارتباط بها. تابع دراسته الابتدائية ببرشيد والإعدادية بالدار البيضاء ثم الثانوية بمدارس محمد الخامس بالرباط. عرف عبد اللطيف باطلاعه الواسع و ولعه بالأدب. يقول كمال عبد اللطيف، أحد زملائه و أصدقائه في مرحلة الدراسة الثانوية و الجامعية: “كنا مولوعين بتحويل بعض الفقرات من الروايات التي كنا نقرأها إلى نصوص للحفظ ، لا أدري من أين جاءتنا الفكرة، ولكنني أذكر أننا كنا نستظهر بعض المقاطع من روايات اللص والكلاب، والشحاذ، وثرثرة فوق النيل..إلخ. كما كنا نقوم بقراءتها بصوت مسموع، وأحيانا نحفظ مقاطع منها تمتلك في تصورنا  إيحاءات قوية، وتستوعب نمطاً استثنائياً في الكتابة والبحث والتأمل. كان عبد اللطيف زروال مولعا بهذه المقاطع الساحرة، وكنا نقضي معا وقتا طويلا في حفظ قصائد من دواوين صلاح عبد الصبور: “أقول لكم “” أحلام الفارس القديم” وعبد الوهاب البياتي، إضافة إلى بعض دواوين نزار قباني.”[5] و قد نتج عن هذا الولع بالأدب عند عبد اللطيف إنتاج شعري غزير لم تنشر منه سوى قصيدة واحدة تحت عنوان “عن الحب و الموت” بالعدد الأول من السلسلة الجديدة من مجلة “أقلام” الصادر سنة 1972. يحكي لنا كمال عبد اللطيف عن قصتها: كان عبد اللطيف قد لفت انتباه بعض أساتذته، فقد اكتشف  الأستاذ محمد إبراهيم بوعلو شاعريته وشغفه الكبير بالقراءة. وكان زروال سنة 1970 قد كتب قصيدة رائعة تضمنت كثيرا من العناصر التي كان يمكن أن تصنع منه شاعرا بمقاس كبير، لو لم يحصل ما حصل. […] فأخذ منه القصيدة ثم نشرها في أحد أعداد مجلة أقلام […] لكنها كانت القصيدة الوحيدة المنشورة له بتشجيع من الأستاذ إبراهيم بوعلو، وهي قصيدة تكشف بعض ملامح شاعريته، وتذكرني بقراءاته لكثير من دواوين الشعر في المدرسة الثانوية والجامعية. لقد كانت محصلة حساسيته الشعرية الحاصلة منذ منتصف الستينات.”[6] بعد حصوله على الباكلوريا سنة 1968، التحق عبد اللطيف بشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. وانكب على التحصيل العلمي. فقد كان “حريصا على أداء واجباته الجامعية كاملة، يهيئ العروض ويقرأ محاورات أفلاطون، ويعتني بنصوص جون جاك روسو ومونتسكيو، كما كان يهتم بالفلسفة المادية التاريخية، وبالأفق الذي فتحته في تاريخ الفلسفة. ويحرص على القراءة في خزانة الكلية وفي المكتبة الوطنية، وكذا خزانات السفارات التي كانت أقسامها الثقافية ترخص باقتناء الكتب للطلبة.”[7] غير أنه لم يغفل قضايا الوطن التي تربى على الاهتمام بها في العائلة. انخرط عبد اللطيف بنشاط في النضال الطلابي. و تمرس “بالعمل النقابي في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان يشكل جامعة موازية، كما حصل لديه وعي بطبيعة الصراع السياسي في المغرب نهاية الستينيات، مع اقتراب متردد سنة 1969 من حزب التحرر والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقاً وحزب التقدم والاشتراكية اليوم).”[8] و كان ظهور الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين تعبيرا عن انبثاق تيار سياسي جديد هو اليسار الماركسي. و رغم أن عبد اللطيف  لم يكن “يتدخل في التجمعات العامة”[9]، إلا أنه كانت له أدوار قيادية داخل الجبهة كما يشهد بذلك رفيقه مصطفى التمسماني. وقد كان من المنشطين الرئيسيين لمجلتها الحائطية بل كان يساهم في كتابتها بخطه الجميل. انتقل عبد اللطيف بسرعة من النشاط الطلابي إلى النشاط السياسي فالتحق بمنظمة إلى الأمام مباشرة بعد تأسيسها في غشت 1970. وفي مطلع سنة 1971، أخبر صديقه كمال عبد اللطيف الذي كان يقيم معه في نفس الغرفة أنه “يترك الجامعة، ليتفرغ للعمل السياسي. مشيراً إلى أن العمل الذي ينتظره أكبر من الشهادة الجامعية.”[10] وقد أهلته ثقافته الفلسفية وإتقانه للغة العربية إضافة لمؤهلاته القيادية لأن يلعب، رغم صغر سنه، أدوارا طلائعية في مسار “إلى الأمام”.

“دينامو” إلى الأمام 

اختير عبد اللطيف زروال عضوا في الكتابة الوطنية لمنظمة “إلى الأمام” خلال ندوتها الوطنية الأولى التي انعقدت يومي 31 دجنبر 1971 و 1 يناير 1972. ولم يمر عن ذلك سوى بضعة أشهر حتى دفعته حملة الاعتقالات الواسعة التي مست الحركة الماركسية اللينينية المغربية للدخول إلى السرية. وقد حكم عليه لاحقا بالسجن المؤبد غيابيا في محاكمة المجموعة 44 سنة 1973. لعب عبد اللطيف، باعتراف رفاقه دورا هاما في النقاش الذي عرفته المنظمة حول الأخطاء التي سهلت اعتقالات ربيع سنة 1972 وحول الخطوط العامة لعمل المنظمة لتلافي مثل هذه الضربات والتقدم في اتجاه تحقيق أهدافها : بناء حزب البرولتياريا المغربية الذي سيقود بتحالف مع الفلاحين الفقراء ثورة شعبية ضد النظام الملكي بغية إقامة جمهورية المجالس الشعبية كمرحلة أولى نحو الاشتراكية. ساهم عبد اللطيف في صياغة أغلب الوثائق التي أصدرتها المنظمة في الفترة ما بين 1972 و1974. كان الطموح الذي يحذوه، وهو القادم من عائلة لها ارتباطات بالبادية، هو تبيئة الماركسية في التربة المغربية وبناء خط ثوري ملائم لأوضاع بلد مثل المغرب يستند إلى إرث ثقافي ونفسي وتنظيمي أصيل متراكم من صراع القبائل ضد نهب الدولة المخزنية والغزاة الأجانب لأرضها وثرواتها. كان الاقتراب أكثر ما يمكن من الواقع المغربي هما يسكن عبد اللطيف و يشغله في أدق تفاصيل حياته و يمكن لكل من يتعرف عليه عن قرب أن يلمسه.  يقول رفيقه مصطفى التمسماني: “منذ اللقاء الأول مع عبد اللطيف وفي إطار المخالطة معه تكتشف أنه ملتصق بالأرض دون أن يصرح بذلك […] فهو يتكلم لك عن القرية كثيرا. فالعالم القروي تعرفنا عليه بواسطة زروال  […] وعالم الجماهير الشعبية الحقيقية تعرفنا عليه كذلك بواسطته وكذلك نكته مرتبطة بهذا الإرث الثقافي الشعبي”[11].

ورغم قساوة حياة السرية، حافظ عبد اللطيف على تفاؤله الثوري وأمله في التحقق القريب لأحلامه بالتحرر والانعتاق. وكان يستمد إيمانه القوي بعدالة القضية التي يناضل من أجلها من حبه العميق لشعبه وتألمه للمعاناة التي يعيشها جراء اختيارات نظام فاسد قائم على القمع والنهب بحماية من القوى المتنفذة عالميا. لقد كان مستعدا لكل التضحيات اللازمة حتى تزول هذه المعاناة ويحيا الوطن حرا والشعب سعيدا. لذا كان يؤمن أن الإنسان قادر على الانتصار على آلة التعذيب مهما كانت همجيتها. و لقد كان نموذج المناضلين الفيتناميين (الذين كانوا يعمدون إلى قطع لسانهم، إذا ما اعتقلوا، من أجل ألا يبوحوا بأي شيء حول رفاقهم في  التنظيم) حاضرا في ذهن عبد اللطيف[12]. لقد جسد ذلك بصموده البطولي حتى الموت أمام التعذيب الوحشي الذي تعرض له.

وبالنسبة لشاب في مثل سنه، كانت حياة السرية تعني الحرمان من العديد من الأشياء المهمة كزيارة العائلة و بناء علاقة عاطفية. يقول رفيقه “مصطفى خلال ” الذي تعرف عليه في إطار العمل التنظيمي داخل إلى الأمام سنة 1973: “حدثته  عن  قصة  حب كنت  أعيشها  وكانت المحبوبة  رفيقة  لي  في  النضال  وكان  عبد  اللطيف  يعرفها إذ كانت  تلك  الفتاة  من  بين  الطالبات  القلائل  اللاتي  كن  ينتمين  لتنظيمنا. وسألته  بدوري  مرة  هل  يحب هو  الآخر  فتاة  ما.  صمت بضع  ثوان  وقال  لي:”هل  تعرف  فتاة  تقبل  بوضعي  كمناضل  يعيش  في  السرية ؟”[13] و لقد كان الحرمان من رؤية والديه يسبب له ألما و حزنا بالغين “إلى درجة  أنه  في  إحدى  أماسي  شهر  مارس  1973، لم  يستطع  على  هذا  الحرمان  صبرا. هكذا غامر الشهيد وخرق  التعليمات  النضالية وراح  إلى  مدينة  برشيد حيث  كان  بيت  العائلة  وما  أن  اقترب  من  البيت  حتى  ضغط  عليه  حدس  غريب  أن  يرجع  موحيا  له  أن  مغامرته  غير  مضمونة  العواقب. ورجع  أعقابه.”[14] يقول مصطفى خلال: “حكى  لي  هذه  الواقعة  في  ألم  ما  زلت  أذكره  إلى  اليوم. اغرورقت  عيناه  الكبيرتان  السوداوتين  بأهدابهما  الكثيفة  بالدمع. “[15] و في إحدى المرات ذات مساء بداية سنة 1974، كان يمر قرب حي عين الشق بالبيضاء في سيارة يقودها رفيقه أبراهام سرفاتي حين لمح أمه التي لم يرها منذ مدة طويلة. يقول أبراهام عن هذه اللحظة المؤثرة في رسالة غير منشورة وجهها لوالدي عبد اللطيف : “منعته ذلك المساء من الذهاب إليك لتقبيلك. لقد طلب مني أن أتوقف لكي يراك لحظات إضافية. لقد تأثر تأثرا بالغا و ظل متأثرا ذلك المساء كله.” يضيف أبراهام: “وذات يوم في شهر شتنبر 1974، حين بدأنا نحس بالطوق البوليسي يضيق علينا، في هذه الحياة حيث الطموحات الحميمية ممنوعة، قال لي كم يتمنى لو كان له طفل سيكلفك بتربيته كما ربيته هو نفسه.”    

لم يكن لهذه الخصال إلا أن تؤثر على رفاقه المحيطين به. يقول سرفاتي في مقال بعنوان “معلمي زروال” كتبه بمناسبة الذكرى الخامسة لاستشهاد عبد اللطيف : “رشيد[16] يا رفيقي، رشيد يا معلمي/ فضلك علي كبير ولكن كونك معلمي هي العلامة التي بقيت محفورة في داخلي بعمق أكبر. فرغم كل سنوات النضال، وأي نضال، بقيت بورجوازيا، ورغم صعوبات السرية الجمة جعلتني أكتشف […] أدق حركات السلوك البروليتاري، العناية التي كنت توليها لأبسط الأشياء في الحياة اليومية، الانضباط الذاتي أصبح طبيعيا، قيامك التلقائي بأبسط الأشياء الأعمال في الحياة الجماعية وفي كل هذا كنت تتصرف بظرافتك المعهودة، هذه الظرافة التي جعلت أحد الأقرباء الذي لم يعرف عنك الكثير سينعتك ب “العذب”.” كما اعتبر صديقه الحميم المشتري بلعباس أن جزءا من كيانه قد غاب باعتقال عبد اللطيف[17]. “فقد كان عبد اللطيف إنسانا مرحا ومن الصعب أن تجد له أعداء”[18]. وقد جعله صموده واستشهاده البطوليين يشغل مكانة خاصة في ذاكرة اليسار المغربي.

الشهيد الحي 

رغم مرور 41 سنة عن اغتيال عبد اللطيف زروال والادعاءات الزائفة للدولة حول الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي، لم تعرف قضيته طريقها إلى الحل العادل والمنصف. ففي البداية، أنكرت الدولة علمها باعتقاله قبل أن تعترف بوفاته لكن بأسباب “طبيعية” بعد “إلقاء القبض عليه” في محاولة لتزوير أسباب الوفاة.[19] كما دفن عبد اللطيف بمكان مجهول حتى اليوم. ولم يأت التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة بجديد في القضية. فقد اكتفى بالتوصية باستكمال البحث لتحديد المكان الذي دفنت به جثته. علما أن أحد أعضاء الهيأة سبق له أن زار العائلة لإخبارها بأن رفات عبد اللطيف يوجد بإحدى مقابر الرباط (حي الشبانات). لم تتم متابعة تنفيذ هذه التوصية من طرف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ثم من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ولتحريك الملف وكسر الجمود الذي تعرفه القضية وإيجاد حل منصف وعادل لها (أساسه الكشف عن الحقيقة حول ظروف اختطاف وتعذيب وقتل عبد اللطيف زروال ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم البشعة وتسليم رفاته لعائلته)، أسس عدد من الفعاليات السياسية والحقوقية والإعلامية[20] سنة 2009 لجنة لمتابعة القضية ينسق عملها عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان الطيب مضماض. وقد عملت “لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال” على جمع شهادات حول الشهيد في إطار حفظ الذاكرة ومراسلة الجهات المسؤولة بخصوص الرفات و مساءلة المجرمين عن هذه الجريمة. كما عملت على تنظيم حملة لتعبئة الرأي العام وطنيا ودوليا وتوقيع عرائض. وفي سنة 2010 وبمبادرة منها، قدم فريق من المحامين ينسقه الأستاذ النقيب عبد الرحمان بن عمرو[21]، شكاية باسم العائلة لدى قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط قصد فتح تحقيق مع الجلادين قدور اليوسفي وبوبكر الحسوني والمتعاونين معهم من أفراد الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ومسؤولين في مستشفى ابن سينا. بعد مسلسل قضائي دام قرابة خمس سنوات تم فيه نقض قرار غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف مرتين من طرف محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)، قررت الأولى (غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف) إلغاء قرار عدم فتح تحقيق بخصوص جريمة إخفاء الجثة على اعتبار أن الجرائم الأخرى الواردة في الشكاية[22] تقادمت حسب القانون الجنائي المغربي رغم أنها غير قابلة للتقادم في القانون الإنساني لأنها جرائم ضد الإنسانية. لهذا تصر العائلة على ضرورة محاكمة مرتكبيها ولو تطلب الأمر اللجوء إلى القضاء الدولي. رغم ذلك، يمثل هذا الحكم القضائي انتصارا صغيرا وجزئيا في المعركة الطويلة التي تخوضها عائلة الشهيد ومعها الحركة الديمقراطية المغربية منذ 41 سنة وهي التي تعلم علم اليقين أن الحل المنصف والعادل لملف اختطاف وتعذيب واغتيال عبد اللطيف زروال وغيره من شهداء هذا الوطن وملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عموما رهين بتحقيق تقدم حقيقي ونوعي في نضال شعبنا من أجل الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

قبل ثمان سنوات، اتصل بي أحد الصحافيين الشباب لأربط له الاتصال بوالدي عبد اللطيف زروال قصد كتابة مقال بإحدى الأسبوعيات الناطقة باللغة العربية. فسألته عن سبب اهتمامه بالموضوع وهو الشاب الذي لم أعرف عنه التزاما نضاليا. فأجابني بأن أحد زملائه بمعهد الصحافة ينحدر من مدينة برشيد. وقد حكى له عن الروايات الغريبة التي تروج عن عبد اللطيف زروال من قبيل أنه مثل أمام الحسن الثاني أثناء اعتقاله. فاستغربت لعدم علمي بهذه الرواية وأنا الذي قضيت سبع سنوات ببرشيد دون أن أسمع عنها. حينها أيقنت أن الشعوب لا تنسى رموزها. فمهما طال الزمان ومهما تعددت الانكسارات والهزائم فإن إرادة التحرر والانعتاق تتغذى من بطولات الماضي لتبني المستقبل.

لهذا فإن عبد اللطيف زروال الذي دفع ضريبة حبه للوطن موتا، باركت حبيبته تضحيته برفعه لمصاف الشهداء الأحياء الذين لا يموتون[23]. لقد صار :  

“فصلا خامسا

أكثر نشوة من الربيع

أكثر غنائية من الخريف

فصلا لا مجال فيه للحركة

فصلا

تترعرع فيه جذور الأفكار

وتزهر أيدي الرجال “[24].

تمارة في 2 نونبر 2015

[1]– الذي نقل إليه جراء تدهور حالته الصحية بسبب التعذيب والاعتقال في درب مولاي الشريف منذ شهر ماي 1974.

[2] – انظر شهادة عبد الرحمان نودا: “رقدت فوق نفس السرير الذي توفي فوقه عبد اللطيف زروال” المنشورة في أسبوعية “الحياة”، العدد 98، 25-31 مارس 2010 ص: 9  .

[3] – يقصد المعتقل السري “درب مولاي الشريف”.

[4]  – من شهادة غير منشورة ل”مصطفى خلال” ل”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال“.

[5]–  شهادة “كمال عبد اللطيف” ل”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال”.

[6]– نفس المصدر السابق.

[7] –  نفس المصدر السابق.

[8]  – نفس المصدر السابق.

[9]  – من شهادة غير منشورة لـ”مصطفى التمسماني” لـ”لجنة كل الحقيقة حول مصير عبد اللطيف زروال.

[10]  – شهادة كمال عبد اللطيف.

[11]  – شهادة مصطفى التمسماني.

[12] – يحكي “مصطفى خلال” في شهادته عن عبد اللطيف: “قال لي مرة بأن المناضلين الفيتناميين، ومن أجل ألا يصرحوا برفاقهم في  التنظيم إذا ما  حدث أن اعتقل الواحد منهم كان يعمد إلى قطع لسانه”.

[13]  – نفس المصدر السابق.

[14]  – نفس المصدر السابق.

 [15]  – نفس المصدر السابق.

 [16]  – أثناء السرية، كان لعبد اللطيف عدد من الأسماء المستعارة من بينها محمود و رشيد.

[17]  – نظر شهادة المشتري بلعباس المنشورة في الصافي الناصري، لحسن العسبي، أقصى اليسار بالمغرب، مقارعة نبيلة للمستحيل، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2002.

[18]  – نفس المصدر السابق.

 [19]   – فيما قدمت النيابة العامة، في محاكمة سنة 1977، شهادة طبية مسلمة من مدير مستشفى ابن سينا تشير إلى موته بسبب “أوديما مبرحة في الرئة”، كانت الشرطة القضائية وعلى رأسها الجلاد اليوسفي قدور قد ادعت في بحثها التمهيدي “أن سبب وفاة عبد اللطيف عائد إلى ألم مبرح في المعدة اشتكى منه بمجرد ما ألقي عليه القبض”.

[20]  – يتعلق الأمر حسب البلاغ التأسيسي بكل من: عزيز لوديي، عبد الرحمان بنعمرو، عبد الإله بنعبد السلام، عبد اللطيف زروال، عبد الله الحريف، خالد الجامعي، محمد الصبار، عبد الرحيم الجامعي، زهور أزلاف، الطيب مضماض، علي أنوزلا، حسن حاج ناصر، العربي معنينو، سعيد السكتي. و قد التحق آخرون باللجنة فيما بعد. و يتعلق الأمر بأحمد ويحمان، حسن أحراث، عبد الرحيم الخادلي و الحسين بوسحابي.

 [21] – أحمد آيت بناصر و محمد صادقو  ضم فريق المحامين كذلك الأساتذة: عبد الرحيم الجامعي.

[22]  -يتعلق الأمر بالجرائم التالية: الاختطاف، تعذيب المخطوف، استعمال التعذيب في ارتكاب جناية، التسبب العمدي في القتل الذي يسبقه أو يصحبه أو يعقبه جناية أخرى، عدم التبليغ بارتكاب جناية، التزوير في وثائق رسمية، استعمال وثائق مزورة.

 [23] أ – لم ينه عبد اللطيف زروال قصيدته “عن الحب و الموت” بالقول:

 “ها أنذا أدفع الضريبة

فلتباركي موتي يا حبيبة”

[24] – مقطع من القصيدة التي كتبها الشاعر عبد اللطيف اللعبي رثاء لعبد اللطيف زروال و هي بعنوان “فارس العطاء”. نشرت في ديوان “أزهرت شجرة الحديد”.


الاثنين، 25 يناير 2021

منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I-

منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I-

 منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I-




لقراءة المقال اضغط على الرابط اسفله

© منظمة إلى الأمام : الحركة التلاميذية “انتفاضة 23 مارس 1965” الحركةالتلاميذية المغربية : تاريخ حافل بالنضال.-I- - مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي
المصدر: https://www.riadinoureddine.com/2018/09/23-1965-i.html

الأحد، 24 يناير 2021

سعيدة لمنبهي: النجمة الحمراء



 الفصل الثامن

الشهيدةالثانية:
سعيدة لمنبهي: النجمة الحمراء

نبذة مختصرة عن حياة سعيدة لمنبهي
تاريخ الولادة: 1952
المكان: مدينة مراكش
المهنة: أستاذة الإ نجليزية بالرباط
تاريخ الاعتقال: 16 يناير 1976
السن عند الاعتقال: 24 سنة
الحكم الصادر: 5 سنوات + سنتان
تاريخ صدور الحكم: 14 فبراير1977
تاريخ الاستشهاد: 11 دجنبر 1977
مكان الاستشهاد: مستشفى ابن رشد - الدار البيضاء
السن عند الاستشهاد: 25 سنة
- الولادة والنشأة والإنتماء النضالي:
كان البلد المغرب , قطعة من جغرافية هذه الأرض, يوجد في شمال غرب إفريقيا أو غرب المغرب الكبير, و كانت المدينة /مراكش , الحمراءإحدى أقدم عواصم المغرب التاريخية ,أسسها المرابطون و جعلوها عاصمة لحكمهم , مدينة التاريخ و الجغرافيا الجميلة, هي أيضا مدينة الكلاوي , الباشا الإقطاعي و عميل الاستعمار الفرنسي و الذي جعل منها مقر إقامته والذي أذاق ساكنتها كل صنوف العذاب و التي لا زالت ذاكرة المراكشيين تحكي عنه و عنها إلى اليوم. مراكش أيضا مدينة المقاومة ضد الاستعمار و عملائه, مدينة الشهيد حمان الفطواكي المقاوم الذي أعدمه الاستعمار , مراكش و ألف حديث وحديث...

في ذات سنة , سنة 1952 سنة من سنوات الجمر، التي كانت تقطعها البلاد في تحد عنيد للإستعمار وأركانه، سنة الانتفاضة العمالية والشعبية بمدينة  الدار البيضاء، بعد اغتيال الشهيد فرحات حشاد، الزعيم النقابي بتونس، اندلعت انتفاضة الكريان سنترال أحد أحياء البيضاء الصفيحية حيث كان يتكدس عشرات الآلاف من العمال والكادحين والفقراء،هي إذن سنة انتفاضة مارس 52 التي ستعلن نهاية سنوات المخاض التي بدأت مع انتفاضة وادي زم 1948 ودخول الطبقة العاملة على خط المقاومة الجذرية وانطلاق المقاومة المسلحة بعد ذلك.

في هذه السنة كانت ولادة سعيدة لمنبهي وذلك يوم 16 شتنبر.
كان يوما عاديا ولاشك كباقي أيام السنة لدى المراكشيين لولا أنه في هذا اليوم كان أحد بيوت المدينةوهو منزل ذو بوابتين إحداهما تطل على حي دوار كراوة والأخرى صوب رياض الزيتون، يعج بحركية غير عادية، الأم فخيته بلكبير الهيلالي تضع مولودة جديدة، مفجرة فرح الزوج وأسرتها الصغيرة، أطلق على المولودة اسم سعيدة و كانت السعادة تملأ البيت الأسري. في ذلك البيت أطلقت سعيدة صرخة الحياة الأولى لتبدأ المشوار في أحضان أبويها وإخوانها محاطة بالحب والحنان. سنوات بعد ذلك, ستلتحق سعيدة بمدرسة "قبور الشهداء" ("قبور الشو" كما ينطقها المراكشيون) الابتدائية، و قد اجتازت سعيدة هذه المرحلة بنجاح لتنتقل إلى مؤسسة "أبو العباس السبتي" (الإعدادية والثانوية) لتحصل على البكالوريا سنة 1971، منتقلة بعد ذلك إلى الدراسة الجامعية.
كانت الرباط وجهتها التالية لاستكمال دراستها الجامعية و ذلك سنة 1972 , الرباط, تلك المدينة التي بناها الموحدون لتصبح بقرار من الماريشال ليوطي العاصمة الإدارية للبلاد منذ الحقبة الاستعمارية.
الرباط المدينة القائمة على شاطئ الأطلنطي هي وتوأمها سلا. المدينة الجامعية الرئيسية للبلاد آنذاك حيث كان أغلب طلاب البلاد يتوجهون إليها لمتابعة دراستهمم الجامعية.
في هذه السنة التي التحقت فيها الشهيدة بالجامعة كانت نضالات قوية و معارك ضارية تخوضها الحركة التلاميذية والطلابية وأصداء نضالات جماهيرية تنفجر في كل مكان.
كانت سنة 1972 سنة كل الاحتمالات , حيث صعود اليسار الثوري الماركسي – اللينيني وتحمله مسؤولية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب , (في غشت 1972سينعقد المؤتمر 15 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب " أ.و.ط.م") و في 22 أبريل من نفس السنة سيتم الإعلان عن تأسيس النقابة الوطنية للتلاميذ (ن. و. ت)).في السنة نفسها ستكون محاولة الانقلاب التي قادها المجرم أوفقير ضد الملك رأس النظام الكمبرادوري القائم كتعبيرعن تناقضات حادة داخل التحالف الطبقي السائد.
في أجواء ملتهبة، وصراعات إيديولوجية وسياسية داخل الجامعة، وفي خضم أجواء نضالية تخيم على البلاد ضدا على القمع الأسود والاستغلال والاضطهاد والاستبداد السياسي، تابعت سعيدة دراستها بشعبة الإنجليزية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية, وانخرطت منذ البداية في النضال داخل كلية الآداب معقل اليسار الثوري الماركسي اللينيني فتحملت المسؤولية داخل تعاضدية كلية الآداب لسنتي 72-73 باسم "الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين". استكملت سعيدة تكوينها كأستاذة للسلك الأول بالمركز التربوي الجهوي الذي ستتخرج منه كأستاذة لمادة الانجليزية بإعدادية الخوارزمي بالرباط, و ستنخرط مباشرة بعد التحاقها بالعمل في النقابة الوطنية للتعليم التابعة للاتحاد المغربي للشغل كمناضلة نقابية.
خلال هذه السنة , سنة 72, سيدشن النظام الرجعي حملة واسعة ضد اليسار الثوري الماركسي اللينيني مست العديد من أطر منظمتي "أ" و "ب" ("إلى الأمام" و23 مارس لاحقا)، كما تعرضت الحركة الطلابية للقمع الشرس من خلال اختطاف العديد من مناضليها ومسؤوليها ومتابعة ومطاردة الآخرين. ولم تتوقف الحملة بعد صعود اليسار الثوري إلى قيادة أوطم بل تصاعدت إلى حدود إقدام النظام على حل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في 24 يناير 1973, فانخرطت سعيدة في النضال من خلال مساهمتها في المظاهرات المنددة بالقرار الرجعي دفاعا عن أوطم وخطها النقابي الثوري واستمرارا لكفاحها العنيد ومن أجل الصمود في وجه الإعصار مجسدة شعار الصمود والارتباط بالجماهير الذي رفعته منظمة "إلى الأمام" في وجه إحدى أعتى الحملات القمعية التي أطلقها النظام "الفاشي" ضد الحركة الجماهيرية والقوى التقدمية والثورية.
سعيدة لمنبهي هي أيضا ابنة منظمة" إلى الأمام", فسعيدة التي حظيت دائما بحب أسرتها كبرت ونقلت معها الحب والمودة والصداقة والرفاقية إلى كل من تقاطعت معهم على طريق حياتها كإنسانة وكمناضلة ثورية مؤمنة دائما بالحق في الثورة.
سعيدة التي خبرت سبل النضال داخل الحركة التلاميذية بثانوية "أبو العباس السبتي" بمراكش، وكمناضلة بكلية الآداب للاتحاد الوطني لطلبة المغرب والجبهة الموحدة للطلبة التقدميين وكمناضلة نقابية بالاتحاد المغربي للشغل، سعيدة المناضلة العنيدة، المشبعة بالأمل والتفاؤل الثوري والمتشبعة بالفكر الماركسي اللينيني والتواقة إلى تحرر المجتمع مجتمع الرجال والنساء المتساوين في كل شيء، سعيدة في إحدى أحلك ظروف القمع الأسود الذي طال البلاد والعباد على يد نظام ديكتاتوري مصاص للدماء، في مغرب الاعتقالات والمحاكمات الصورية والطرود الملغومة والإعدامات، في مغرب تازمامارت، الكمبليكس، درب مولاي الشريف، اكدز، دار المقري وغيرها... في مغرب "الجدران لها آذان" حسب التعبير السائد وحيث حيازة كتاب شبهة، وقراءة جريدة شبهة، والتضامن مع فلسطين شبهة ووو...سعيدة وهي كل تلك الخصال الثورية سعيدة التي كانت تعيش كل تلك الظروف ستتخذ قرار انخراطها في المنظمة الماركسية اللينينية "إلى الأمام" لتواصل النضال من أجل دولة ديمقراطية شعبية ومن أجل الاشتراكية. ومن موقع عضويتها لإحدى خلايا المنظمة ومسؤوليتها التنظيمية داخلها (كانت سعيدة مسؤولة عن خلية بالرباط- سلا) شرفت سعيدة المرأة المناضلة بتباثها وإقدامها وجرأتها وصمودها في أحلك لحظات المواجهة والتحدي عند نقل الوثائق السرية، أو توزيع المناشير السرية، أو القيام بأعمال التمويه لكراء المنازل (المستعملة كمقرات سرية للمنظمة) أوعند أعمال الرصد وضبط المواعيد أو عند لزوم الحزم لمواجهة خطر داهم أو لطمأنة مناضل أو رفيق لازال في بداية النضال، سعيدة الرفيقة جديرة بنساء المقاومة الفرنسية أو الجزائرية من أمثال جميلة بوحيرد وغيرها. كيف لا تكون كذلك وصدى المرأة المغربية المقاومة مستمر, من المقاومة الأولى ضد الاستعمار في جبال الأطلس وغيرها إلى النضال إبان الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة في الخمسينات إلى نضال العاملات والفلاحات والطالبات والكادحات في المعامل والبوادي والجامعة وفي الأحياء الشعبية.
لقد مزقت سعيدة حجاب النضال عن المرأة لتفتح طريق نضالها الطويل ضد شروط اضطهادها المزدوج ومن أجل مجتمع المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء.
كانت سعيدة من المناضلات الأوائل اللواتي فتحن طريق النضال النسائي الثوري ببلادنا, بل كانت أول من مهد له وفجر ينابيعه بشفافية ووضوح وصدق وإرادة لا تلين. لم تكن سعيدة لترضى بأنصاف الحلول و حتى في سلوكها اليومي كامرأة وإنسانة كانت صادقة ونزيهة لا تعرف المساومة على حريتها وحرية الآخرين .سعيدة التي لم يمهلها الموت وغادرتنا في مقتبل العمر تركت لنا قصائدها ورسائلها الى عائلتها وبحثا أو مقال لم يكتب له أن يتم.لو أعدنا قراءته لأدركنا الكثير من أفكارها وقيمها النضالية كامرأة رفعت صوتها ضد الإضطهاد المزدوج للنساء ومن اجل تحررهن تحررا كاملا وشاملا.فبمقدمات منهجية تاريخية واعتمادا على نظرة ثاقبة مسلحة بفكر ثوري, تناولت سعيدة الكتابة في موضوع شائك يتعلق بمن يطلق عليهن "النساء العاهرات".فقد قدمت سعيدة نظرتها للتاريخ قائلة"لم يعد التاريخ تاريخا للأسر الحاكمة ولايحق للمؤرخين المزيفين أن يكتبوا تاريخ شعب,فالناس هم من يصنعون التاريخ بدمائهم.وهذا التاريخ يسجل ذلك الإرهاب الذي يزرعه النظام الرجعي في صفوف الشعب عن طريق أجهزته القمعية....."
"وحدها الإديلوجية الماركسية اللينينية,إديلوجية كل الشعوب المستغلة تستطيع أن تنتزع البلاد من نير الأمبريالية والإقطاعية خادمتها المخلصة".
بالنسبة لسعيدة لمنبهي ف"الإنحلال والفساد في مجتمع ما تولده طبيعة هذا المجتمع نفسه:المجتمع الرأسمالي باعتباره نظاما استغلال ولاعدالة اجتماعية يغدي مختلف مظاهر الإنحلال :الفساد والعهارة."
"من المؤكد,أنه في مجتمع طبقي وفي ظل نظام مفروض على الجماهير من طرف الإستعمار والأمبريالية من أجل الحفاظ على مصالحهما الإقتصادية والسياسية,فالعهارة ,الرذيلة والرشوة هي مظاهر ملازمة لهذا النظام.إنها مظاهر يتم نشرها وتشجيعها.الشعب في ظل نظام لاوطني يتعرض للفقر الأكثر قتامة"
في نظر سعيدة فالمرأة المغربية تعاني من استغلال مزدوج " في هذا المناخ الذي يمكن وصفه بالفاشي,لا يمكن لنا أن ننسى الإستغلال المزدوج الذي تتعرض له المرأة في بلد متخلف وتابع.هذا الوضع الخاص للمرأة المغربية, التي تتعرض لمظهرين من الإستغلال:استغلال من طرف النظام مثلها مثل الرجل واستغلال من طرف هذا الرجل نفسه,هو ظاهرة اجتماعية متولدة تلازميا وفي نفس الوقت من طبيعة البنيات الإقتصادية –السياسية والإجتماعية القائمة.فمن الطبيعي أن تعتبر المرأة في ظل نظام بطريركي مجرد كائن تابع ليس بإمكانه لا امتلاك الأرض ولا اختيار الزوج أوالإنفصال عنه ,ليس لها إلا وضعية القاصر......"
من خلال مقالها المكتوب من داخل السجن سنة 1976 قدمت سعيدة الأستاذة المتخرجة من المركز التربوي الجهوي بالرباط درسا في البيداغوجية الثورية.فهي لم تنجز بحثها إلا بعد أن انبنت بينها وبين تلك النساء ضحايا المجتمع الطبقي ثقة متبادلة وفي هذا الصدد تقول سعيدة"بيننا وبين هؤلاء النساء حصل تعاطف كبير" وفي مكان آخر على هامش المقال كتبت تقول" بعض الناس حين يتكلمون عن عاهرة يقولونها بنبرة احتقار.نحن نعطي لهؤلاء النساء ضحايا الإستغلال كل الإحترام الذي يمكن أن يستحقن".
في نظرسعيدة هؤلاء النساء كن مرغمات في ظل "نظام لا يهيأ للشباب سوى طريق المخدرات والكحول أو طريق السجن والتعذيب بالنسبة لأولئك الذين اختاروا النضال ضده" .ولتكريس الإستعباد والإستيلاب ترى سعيدة أن"الإستعمال الديماغوجي للدين يسمح بتعزيز الإستغلال والإستيلاب والإستعباد بالنسبة للمراة".
أدركت سعيدة جيدا الطبيعة الطبقية للعهارة من خلال دراستها للفئات الثلاث التي تنتمي لهن النساء اللواتي يمتهنها (اللمبن-بروليتاريا,البورجوازية الصغيرة,الفئات"الراقية").ثلاث فئات من العاهرات لثلاث أنواع من الطلب في سوق المتاجرة بجسد المرأة.
وفي محاولة لسبر غوروعيهن الطبقي والجنسي وقفت سعيدة على ذلك الوعي الحسي لديهن الذي يظل ذا أفق مستلب.فهن يعرفن من هم أعداؤهن ويعرفن أن الدولة متعفنة وغير عادلة لكنهن لا يعرفن ما هي الحلول, محتميات بعامل الزمن, معتقدات أن هذا الأخير خارج أي عمل ملموس كفيل بتغيير واقعهن. وخلصت سعيدة إلى القول أن كل هؤلاء النساء والمرأة بشكل عام لايمكنهن أن يعرفن تغييرا لوضعية استغلالهن المزدوج إلا إذا اكتسبن وعيا طبقيا وعملن من اجل تغيير جذري للمجتمع ومن اجل بناء مجتمع اشتراكي يمنح للمرأة حقوقها الفعلية أي المساواة التامة مع الرجل ودور فعلي في الإنتاج ومساهمة حقيقية في الحياة السياسية لبلدها.إن تحرير المجتمع كله هو مهمة المرأة والرجل على حد سواء وعلى رأس هذا المجتمع العمال والفلاحون.
ونحن نقرأ هاته الأسطر,يدرك كل المناضلين المخلصين و المناضلات المخلصات جسامة الخسارة بفقدان سعيدة ذلك الإسم الرمز, ذلك العنوان لوطن جريح مستباح والذي لا زالت المرأة تعاني فيه من كل أصناف وفنون الإضطهاد المزدوج فنزداد حماسا للنضال لأن لنا سعيدة في القلوب.
امرأة بهذا الطموح, بهذا الفكر و هذا الحب للشعب, سعيدة ابنة" إلى الأمام"سيكون لها نصيب وافر مما تعرضت له المنظمة من اعتقالات و اختطافات و تعذيب.
- 16 يناير1976:يوم الإعتقال:
في هذا اليوم من سنة 1976 ستكون سعيدة على موعد ليس ككل المواعيد , ستكون على موعد نحو الدهاليز المظلمة, حيث سترى هناك كل أصناف القبح و الخس, سترى هناك أناس ما هم بأناس , بشر لا كالبشر, ممارسات لا كالممارسات.
كانت سعيدة مواظبة على زيارة أختها خديجة وابنتها فدوى والتي كانت تحبها كثيرا. وفي إحدى أيام يناير الباردة من سنة 76 تدلي لأختها بإمكانية اعتقالها انطلاقا من فرضية اعتقال الرفيق الذي كانت تشاطره مقر سكناها والذي غاب عن الأنظار منذ 48 ساعة, ولم تكن تعرف الجواب عما إذا كان قد اعتقل أم لا.
لم تضيع سعيدة كثيرا من الوقت قبل أن تتوجه إلى مقر سكناها لإفراغه من كل ما يمكن أن يهدد أمن الرفاق وأمن المنظمة من مناشير، وثائق ومعلومات تفيد القمع.
يوم 16 يناير: الساعة السادسة مساء:
كان الوقت مساء وكانت الشمس قد أكملت دورة غروبها ,وغابت وراء الآفاق منذ مدة ,فأرخى الليل سدوله على المدينة وخيم الظلام عليها, وكان مساء باردا يلفح وجه المدينة , تقف سعيدة أمام الأستوديو الذي تسكنه والذي يقع بحي مدغشقر بالرباط قرب المحكمة الابتدائية حاليا. كانت الساعة السادسة مساء حين وصلت لمنزلها بعد زيارة لأختها خديجة.
ما أن فتحت الباب وحملقت بعينيها الواسعتين في جوانب غرفتها حتى لمحت أن كل شيء في البيت قد انقلب رأسا على عقب: ملابسها، كتبها وأغراضها المختلفة وكأن عاصفة قد مرت من هناك و أصابت الأستوديو.
كانت سعيدة ساهمة البال شارذة الذهن، لقد أدركت بحسها أن اللحظة التي حدست وقوعها قد أصبحت حقيقة. وقبل أن يرتد بصرها و يتشكل رد فعلها ,كان أربعة من الكلاب المدربة من رجال المجرم اليوسفي قدور قاتل الشهيد عبد اللطيف زروال قد انقضوا عليها انقضاض ذئب على فريسته, فريسة ثمينة و كنز غالي لا يقدر بثمن واضعين القيد بمعصميها والعصابة السوداء على عينيها لتنقل, تحت وابل من السباب والنعوت المحقرة للمرأة وللمناضلة, إلى المعتقل السيء الذكر "درب مولاي الشريف" أو" الدرب" كما يطلق عليه اختصارا لتبدأ رحلة أخرى من حياتها النضالية في مواجهة جلاديها الذين وضعهم النظام الفاشي للتنكيل بالمناضلين وتحطيم كل أشكال وروح المقاومة ضد النهب والاستغلال والاضطهاد التي يمارسهاعلى الشعب المغربي. قضت سعيدة ثلاثة أشهر بالدرب إلى جانب رفاقها ورفيقاتها الذين حصدتهم الحملة الثانية الكبيرة ضد منظمة "إلى الأمام" ابتداء من سنة يناير 76.
كان نصيب سعيدة كبيرا من التعذيب النفسي والجسدي كمناضلة وكامرأة مناضلة داخل المعتقل السري السئ الذكر, حيث كل الوسائل تستعمل بلا حدود من طرف زبانية النظام وكلابه المسعورة لتحطيم المعنويات وتكسير الإرادة الثورية لدى المناضلين. وباعتبارها امرأة عانت سعيدة من العقلية الذكورية الوحشية للجلادين الحاطة من كرامة المرأة وإنسانيتها الشئ الذي لم تنساه وهي تقف أمام القضاة الوجه المقنع للجلاد في دولة اللاقانون والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. أمام قضاتها في المحكمة انتصبت سعيدة بدورها لتحاكم جلاديها في مداخلة دخلت تاريخ النضال السياسي بالبلاد عموما والنضال النسائي خصوصا، لقد صرخت في وجه رئيس المحكمة الذي كان يطبق بالحرف توجيهات النظام وأجهزته القمعية: "لقد عذبوني، وصفت بأسوأ النعوت التي أخجل أن أذكر ولو واحدة منها، كم هو معيب و منحط مجرد التفكيربوجود رجال يعاملون امرأة بهذه الطريقة،و يجعلني أصاب بقشعريرة و يثيراستنكاري وغضبي. .
فكيف لا أكون مسيسة؟ كيف لا أناضل لتحسين وضعية المرأة؟
لقد اخترت الرجل الذي أردت أن يشاركني حياتي.وهل الطلاق ممنوع بالنسبة لامرأة؟ يتعلق الأمر بحياتي الخاصة."
اهتزت المحكمة بالتصفيقات عندما أعلنت سعيدة تنديدها بأوضاع الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة المغربية، وبذلك تكون أول امرأة فعلت ذلك ببلادنا وأمام قضاتها المؤتمرين بأوامر أسيادهم. لقد كانت سعيدة منسجمة مع قناعاتها حتى النهاية غير مبالية بمحاولة الجلاد والقاضي ذلك الجلاد الآخر الماس بشرفها وكرامتها كامرأة مناضلة مقتنعة أشد الاقتناع بضرورة تحرير المرأة المغربية.
من درب مولاي الشريف حيث عانت سعيدة كل صنوف التحقير و الحط من الكرامة ستكون وجهتها التالية نحوسجن "عين برجة" ومن تم ستقدم إلى المحكمة , محكمة الاستئناف بالدار البيضاء وذلك في 3يناير1977.
- أمام المحكمة أوالوجه الآخر للجلاد:
يطرح القاضي الأسئلة و سعيدة تجيب . ما اسمك؟أنت متهمة بالمس بأمن الدولة و المس بالسلطة القضائية وووو... طقس بليد كان لابد للشهيدة أن تعيش أجواءه في شموخ و اعتزاز بالنفس ودون رهبة من القاضي الوجه المقنع للجلاد.
وقفت سعيدة منتصبة القامة مرفوعة الهامة ترد عن أسئلة القاضي(واسمه أحمد افزاز,قاضي جيئ به ليمثل دور القضاء تحت توجيهات اليوسفي قدور وأمثاله وسيكافئه النظام على دوره المخزي بجعله على راس ما يسمى بالمجلس العلمي للجهة الشرقية) واثقة بعدالة قضيتها، قضية شعب يعاني من استغلال وقهر واضطهاد نظام مستبد قروسطي، وقفت سعيدة مبتسمة غير مكترثة بمحاولات زعزعة قناعاتها ومنعها من الكلام والتي كان يقوم بها القاضي، محاولات يائسة لللعب بأعصابها وجرها إلى حبل الإدانة كما شاء لها. كانت الأجهزة الاستخباراتية , والحاضرة بكثافة داخل قاعة المحاكمة, تتابع التطورات و تراقبها عبر أجهزة وضعت في الطابق السفلي للبناية التي تحتضن محكمة الإستئناف بالدار البيضاء. كانت الأجهزة الأمنية المختلفة تحاصر البناية من كل الجوانب، وراج خبر متابعة رأس النظام الكمبرادوري لأطوار المحاكمة من خلال أجهزة التصنت التي وضعتها أجهزته. كانت التوجيهات تصل تباعا إلى منصة الرئاسة وكان الرئيس أحمد أفزاز السيئ الصيت يترجمها فورا وبشكل مفضوح مؤكدا بتصرفاته الطابع الصوري للمحاكمة أمام استنكار هيئة الدفاع وغضب المناضلين والمناضلات وعائلات وأسر المعتقلين. أمام هذا الوضع كانت سعيدة واقفة توزع ابتسامتها على الحضور الذي غصت به جنبات قاعة المحكمة تارة، وتارة أخرى يرتسم الغضب على محياها وهي تتذكر صورة الغائب الكبير عن المحاكمة، الشهيد الذي اغتالته أيادي الجلاد اليوسفي قدور الملطخة بالدماء، كان اسم القائد الشهيد عبد اللطيف زروال على كل لسان، كانت روحه تخيم على المكان. تذكرت سعيدة تلك الأغاني الثورية التي كانت ترددها جماعيا مع رفيقاتها ورفاقها وهي تعبر شوارع البيضاء على متن الإسطافيتات البوليسية( تقول الأغنية:"نريد للجميع,الشغل,الخبز,الفرح,الحرية, سنكسرفولاذ الأسلحة ونصنع خبزالجوعى الضروري...."من الأغاني الثورية الفرنسية), وعادت إلى ذاكرتها أطوار ذلك الإضراب عن الطعام الذي خاضته مع رفاقها تحت شعار "المحاكمة أو إطلاق السراح" والذي انتزع به الحق في المحاكمة وجعلت النظام يقبل به بعد فشل محاولات الالتفاف والتمطيط والابتزاز التي سخر لها خدامه وأعوانه وانتهازيي الأحزاب الإصلاحية...
كانت رفيقتيها في النضال فاطمة عكاشة وربيعة الفتوح يراقبن باهتمام وقوف سعيدة أمام منصة الاتهام ويبادلنها الابتسامة. (اعتقلت سعيدة وفاطمة وربيعة وبييرا دي ماجيو (المناضلة الإيطالية الصلبة التي رفضت الكلام في الدرب في تحد قوي للجلاد اليوسفي قدور وزبانيته، مجسدة بذلك تقاليد الحركة المناهضة للفاشية في إيطاليا و التي كانت إحدى مقاوماتها...) ضمن نفس الحملة القمعية التي تعرضت لها منظمة "إلى الأمام" ابتداء من يناير76.
بإصرار المناضلات الشيوعيات الماركسيات اللينينيات وبقوة إرادتها انتزعت سعيدة الحق في الكلمة , مدافعة عن انتمائها إلى منظمة "إلى الأمام" ومتحدية من أرادوا محاكمتها، محاكمة النظام وجلاديه وذلك رغم أجواء التهديدات بمحاكمة عسكرية والحكم بالإعدام التي كان يلوح بها ممثل النيابة العامة وغضب رئيس المحكمة الذي كان فاقدا لصوابه في أغلب أطوار المحاكمة, مما فجر رد فعل قوي لهيئة الدفاع فانتصب أحد المحامين واقفا موجها له بقوة وعناد تحت تصفيقات الحضور:
"القاضي لا يحكم وهو غضبان" مما زاد في حنق الرئيس على هيئة الدفاع, فانفضح دوره أمام الجميع.
عرفت أطوار المحاكمة الصورية التي أقامها النظام لمناضلي الحركة الماركسية –اللينينية المغربية لحظات مثيرة تخللتها الأناشيد والشعارات الثورية, واضطر القاضي الفاشي إلى الهروب من القاعة التي كانت تدوي بعبارات فاشيست,فاشيست,فاشيست.وبعد لحظات يعود أحمد أفزاز بعد استشارة أسياده القابعين في مكان ما يملون عليه ما يجب أن يفعل, ليصدر قراره بمنع "المتهمين" من الحضور الجماعي إلى قاعة المحاكمة, مما ساهم في اندلاع إضراب عن الطعام ضد المساس بالحقوق الأولية للدفاع و"المتهمين".ودام الإضراب 19 يوما حيث كان يحضر المتهمون إلى قاعة المحكمة واحدا واحدا وهم وهن في حالة إضراب عن الطعام.
هكذا ومن قلب الحصار، ورغم التهديد ورغم محاولات إسكات صوتها, تكلمت سعيدة ولم تتراجع مدافعة عن مواقف منظمتها, مطالبة بحل ديمقراطي لقضية الصحراء, ومنددة بظروف الاضطهاد الذي تعاني منها المرأة المغربية ومدافعة عن حريتها في اختيار شريك حياتها ومستنكرة الأساليب الذكورية الوحشية الحاطة من كرامة المرأة والتي مورست في حقها من طرف كلاب اليوسفي قدور المسعورة.
كانت سعيدة تبتسم، كانت عيونها الواسعة الجميلة تحلق في البعيد، كانت شهمة معتزة بانتمائها الشيوعي، حين دوت القاعة بالتصفيقات في تحية حماسية لجرأتها وشجاعتها.
مرت الأيام وانسدل الستار عن تلك المحاكمة الصورية التي أظهرت للعالم طبيعة نظام لا وطني، لا ديمقراطي ولا شعبي.
مرت على المحاكمة شهران منذ انطلاقها في 3 يناير العام 1977,
وفي إحدى الليالي الباردة وتحت جنح الظلام نقلت سعيدة ورفاقها إلى قاعة المحكمة ليصدر في حقها حكم بخمس سنوات إضافة إلى سنتين بحجة الإساءة للقضاء. صدرت أحكام قاسية في حق مناضلي الحملم(مئات السنوات من السجن:خمس أحكام بالمؤبد,عشرين حكما بثلاثين سنة,45 حكما بعشرين سنة وأكثرمن أربعين حكما بعشر سنوات).
كانت أشعة الفجر الأولى ترتسم في الأفق حين احتل المعتقلون جنبات المحكمة وصعدوا فوق طاولات الجلوس مرددين جماعيا نشيدهم الثوري :

"لنا يارفاق لقاء غدا سنأتي ولن نخلف الموعدا
فهاذي الجماهير في صفنا ودرب النضال يمد اليدا"
سنشعلها ثورة في الجبال سنشعلها ثورة في التلال
وفي كل شبر سنبعثها نشيدا يجدد روح النصال
فلا السجن يوقفنا والخطوب فليس يهدم عزم الشعوب
طغاة النظام مضى عهدهم وشمسهم قد آذنت بالغروب

كانت اللحظة مؤثرة وثورية بامتياز تخترقها زغاريد النساء ووقوف كل الحاضرين في قاعة المحكمة في تحد حماسي للأحكام الجائرة ولمن حبكوها: النظام الكمبرادوري وزبانيته.
لقد سقط القناع مرة أخرى عن وجه نظام دموي حول البلاد إلى سجن كبير, غير مكترث بالقوانين الدولية الإنسانية والحقوقية, معتقدا بذلك أنه سيقضي على كل اشكال المقاومة لسياسات النهب والإستغلال والإستبداد والإضطهاد التي يمارسها .
- بعد صدور الأحكام:
نقلت سعيدة مع رفيقاتها إلى سجن "عين برجة"(سجن مدني بالدار البيضاء) بينما عاد باقي المعتقلين إلى سجن "غبيلا"(سجن مدني بالبيضاء). حين أقفلت باب زنزانتها لم تكن سعيدة تعلم أنها عاشت آخر لقاء لها مع رفاقها، كانت لحظة وداع قبل الأوان, فسعيدة, ستخوض معركتها الأخيرة وستكون آخر رابط لها بالحياة و بالعالم عندما ستدخل في إضراب طويل عن الطعام ستسقط خلاله شهيدة لتلتحق بمواكب الشهداء.
- معركة سعيدة لمنبهي الأخيرة:
كان المعتقلون السياسيون الذين تم نقلهم بعد صدور الأحكام من سجن "غبيلة" إلى السجن المركزي بالقنيطرة ,الذي بنته السلطات الاستعمارية في المغرب ,وهو أحد أكبر سجون إفريقيا, يقضون أول صيف لهم هناك، سجن يلخص تاريخا بأكمله لمناضلي الشعب المغربي ضد الاستعمار بشكليه القديم والجديد،سجن, تظهر أمامه السجون الأخرى صغيرة جدا لحد أنها لن تحتل أكثر من حي من أحيائه. مدينة اعتقال صغيرة بأحيائها ومعاملها ومطبعتها ,مدينة خارج الزمن حيث يمر الوقت بطيئا وحيث حساب الزمن مختلف إلى حد أن معتقليه من "الحق العام" اخترعوا طريقة لحساب الزمن فريدة من نوعها فكانوا يرددون أمام كل داخل جديد" الصيف والصيف تمنيام( 8 أيام) والصيف خمسطاش اليوم( 15 يوما), كان يظهرذلك غريبا لكل قادم جديد لكن ما أن تتوطد أقدامه هناك حتى يدرك كنه تلك العبارة: فالسجن بشكل عام يضم بين جنباته ذوي الأحكام القاسية من حكم الإعدام والمؤبد والأحكام المحدودة من عشر إلى ثلاثين سنة.
وصل المعتقلون السياسيون الماركسيون اللينينيون إلى السجن المركزي بمدينة القنيطرة, بعد أطوار محاكمة صورية في اليوم السابع من مارس من عام 1977. وقد تم نقلهم إلى هناك في "كاميونات"( شاحنات) السيمي( الفرقة المتحركة للتدخل) مغطاة, تحت حراسة مشددة وبمراقبة من الطائرات المروحية.
- صيف 1977 والطريق إلى المعركة الأخيرة للشهيدة.
في صيف 1977 كانت الأمور تظهر داخل حي "أ" وحي "ب"( حيث يقيم معتقلوا محاكمة البيضاء 77 بالسجن المركزي بالقنيطرة) عادية من الخارج ,إلا من بعض المناوشاتمع الإدارة وبعض الإضرابات عن الطعام القصيرة (24 س أو 48 س) أو احتجاجات أسر وعائلات المعتقلين ضد تصرفات الإدارة. كان المعتقلون منكبين على تهيئ معركتهم الكبرى ضد الأوضاع التي كانوا يعيشونها ومن أجل انتزاع حقوقهم كمعتقلين سياسيين. كان التهييء يتم في كامل الكتمان لمعركة ستكون كبرى.كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.
رغم العزلة عن رفاقها كانت سعيدة تتابع عن كثب كل ما يجري, وتساهم هي ورفيقاتها في النقاش الجاري داخل منظمة "إلى الأمام" وبين المعتقلين السياسيين. كانت سعيدة متحمسة للإضراب وكانت تشرف على التنسيق مع رفاقها في ظروف أمنية بالغة الصعوبة والتعقيد. كان لازما الحفاظ على سرية الإضراب كما كان تاريخه قد وضع تحت سرية تامة.
في أواخر أكتوبر 77 و بداية نونبرمن نفس السنة, حدد يوم 8 نونبر كتاريخ لانطلاق المعركة البطولية التي خاضها المعتقلون السياسيون بالسجن المركزي, والتي دامت 45 يوما.بالنسبة لمنظمة "إلى الأمام" وقيادتها كانت كلمة السرورمز المعركة يحملان اسم" الشهيد عبد اللطيف زروال".
في السجن المركزي , و في صبيحة يوم 8 نونبر يسلم أحد الرفاق رسالة إلى رئيس حراس حي "أ" بالسجن المركزي ليسلمها بدوره إلى مدير السجن الذي تقضي الإجراءات الإدارية بإرسالها بدوره وتحت إشرافه إلى المدير العام لإدارة السجون بالرباط وإلى وزير العدل. وما إن قرئت الرسالة حتى دبت حركة غير عادية داخل إدارة السجن المركزي, لقد كانت المفاجئة كاملة.
في نفس اللحظة وفي نفس التوقيت تعلن المعتقلات السياسيات بسجن "عين برجة" (سعيدة لمنبهي، فاطمة عكاشة و ربيعة الفتوح)والمعتقل السياسي بسجن غبيلا أبراهام السرفاتي دخولهم المعركة إلى جانب رفاقهم بالسجن المركزي.كانت المطالب واضحة (تحسين الأوضاع المادية والصحية للمعتقلين، من تغذية، وعلاج، وزيارة مباشرة، وفسحة وحيازة المذياع والجرائد والكتب ومتابعة التعليم، وفك العزلة عن الرفاق بسجن "عين برجة" وغبيلة وإلحاقهم برفاقهم...).
لقد انطلقت معركة 8 نونبر 77البطولية.
دامت المعركة 45 يوما من العناد والإصرار والمواجهة والتصدي لمناورات النظام وأحزابه السياسية, التي فضلت الصمت قبل اللجوء إلى المناورة تحت ضغط تضامن وتعاطف الرأي العام الديمقراطي والحقوقي الدولي، ليشكل النظام لجنة مفاوضات تحت إشراف وزير العدل آنذاك المعطي بوعبيد.(اللجنة البرلمانية كان يرأسها الإتحادي فتح الله والعلو).
كانت سعيدة تخوض معركتها الأخيرة إلى جانب رفاقها ورفيقاتها بصمود وعزيمة لا تلين.
وبدأت الأوضاع الصحية للمعتقلين السياسيين تسوء يوما بعد يوم نتيجة الإهمال واللامبالاة وصمت النظام وأحزابه, وكانت حركة العائلات التي تقودها النساء (أمهات وزوجات وأخوات المعتقلين والمعتقلات تخوض نضالاتها المستميتة ضد الصمت واللامبالاة وضد جريمة النظام وضد روح الانتقام الطبقي لدولة متعفنة). تقول عنهن خديجة المنبهي في كتابها "منتقيات من كتاب الاضطهاد" "هؤلاء النساء اللواتي لم يسبق لهن في أغلبيتهن تقريبا، الخروج من بيوتهن، سيتحولن إلى مناضلات مكافحات من أجل قضية أبنائهن"، "كانت اللحظة مثالية بالنسبة لهن للتحرر من السلطة الزوجية وتعلم تجربة جديدة: تجربة أم، زوجة، أخت المعتقل، تعلم النضال من أجل أن يستفيد ذاك أو تلك من أحسن ظروف الاعتقال أو ببساطة إطلاق سراحهم (ن) أو لتحديد تاريخ محاكمتهم (ن)". لولاهن ولولا إصرارهن وصمودهن لسقط العشرات من الشهداء.
من تداعيات و مضاعفات الإضراب الطويل عن الطعام سيتم نقل سعيدة ورفيقتيها فاطمة وربيعة إلى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء بعد أن ساءت حالتها الصحية وقد وضعت الرفيقات الثلاث في غرفة صغيرة ذات نافذة صغيرة.
و في يوم 10 دجنبرو بعد 33 يوما من بداية الإضراب، نقلت سعيدة إلى غرفة كبيرة وهي في حالة غيبوبة (كوما) حيث ظلت ملقاة على الأرض تحت مراقبة "أمنية"و ليس طبية, فكان رجال السيمي يراقبون نبضاتها ويحملون أدواتهم الطبية رشاشات سوداء مستعدة للإطلاق, أما الأطباء فكأن الأرض ابتلعتهم "فلا قسم أبوقراط نفع ولا ضوء البدلة البيضاء سطع ولا تدخل الهيئة الطبية وقع". كانت سعيدة تعيش لحظاتها الأخيرة فاقدة للوعي بل تحتضر ومن حولها أختيها خديجة والباهية يقبلانها وتحثانها على المقاومة والبقاء "عيشي حبيبتي قاومي، سعيدة نحبك كثيرا" كانت الكلمات مؤثرة وقوية ترن وسط قاعة ممتدة الأطراف حيث كانت سعيدة ملقاة على الأرض ، إنها كلمات وداع أخيرة ولا أحد كان يعلم أنها الأخيرة.
فهل سمعت سعيدة تلك الكلمات الأخيرة؟ سيبقى السؤال دائما و سيظل الجواب أيضا غائبا.
و في يوم 11 دجنبر 1977و كانت الساعة الخامسة صباحا, توقف قلب سعيدة عن الخفقان وسط إهمال طبي إجرامي من النظام.,الأم فخيته الهيلالي تصل على عجل إلى مستشفى ابن رشد وهي تحمل معها أشياءا لسعيدة فتصاب بالصدمة ما أن أخبرتها ابنتيها بموت سعيدة. كانت كلماتها وهي تسمع الخبر تنم عن ألم وحزن الأم العميق بعد موت حبيبتها سعيدة: "كنت عارفها، عارفها، قلبي علمني، هداكشي علاش جيت ليوم".

يوم 12 دجنبر 1977:سعيدة لمنبهي تدخل مدينة مراكش دخول الأبطال الشهداء.
في هذا اليوم تدخل سعيدة مدينة مراكش, بعد سنوات من الغياب دخول الشهداء ,كمناضلة ثورية ماركسية لينينية ورمزا لنضال المرأة المغربية.
كان الأب في انتظارها عند باب بيت الأسرة يداري حزنه وألمه على فقدان صغيرته الجميلة، كان البيت غاصا بعائلات المعتقلين السياسيين الذين جاؤوا من كل الجهات. حضر محامو حقوق الإنسان والعديد من المناضلين والمواطنين. كانت سعيدة وهي في كفنها الحريري الأبيض وسط منزلها الأبوي جميلة حتى في موتها.
وانطلق الموكب الجنائزي نحو مقبرة الشهداء بباب دكالة, كان الحضورلافتا وحاشدا,كانت الجنازة مهيبة تليق بمناضلة كبيرة استشهدت من أجل قضايا شعبها. وفي طريقها إلى مثواها الأخير أطلقت حناجر المودعين والمودعات: "سعيدة الشهيدة، في التاريخ خالدة" وتلقفتها الحشود فكانت لحظة وداع مؤثرة لرمز النضال النسائي المغربي.
في إحدى رسائلها من السجن كتبت سعيدة تقول: "اذكروني بدون ألم، وتكلموا عني لأبنائكم". وبعد 34 سنة على استشهادها لازالت أجيال المناضلين والمناضلات تردد اسمها في كل مواقع النضال، ولا زالت المناضلات تغني لها في كل حفل ومناسبة ومسيرة وحركة نضالية، سعيدة اسم على كل لسان...
-من شهيد إلى شهيدة وإلى كل الشهداء
قبل استشهاده بسنتين كتب الشهيد زروال يقول في قصيدة له:
"ها أنذا أسقط في الساحة::أحمل وردة حمراء....تنزف دما::هاأنذا عريان أزحف فوق القتلى::وألم أطرافي...كي أمسك بالراية الممزقة::وأنفخ بدمي في رماد الشرارة المحترقة::هاأنذا أدفع الضريبة::فلتباركي موتي يا حبيبة."
لاندري هل قرأت سعيدة هاته الأبيات ,ولكنها ككل رفاقها ورفيقاتها ستخلد اسمه في كتاباتها, فمن يكرم الشهيد يتبع خطاه ,لقد أقسمت أن تموت ماركسية لينينية فأوفت بوعدها.
- على خطى الشهيد عبد اللطيف زروال
تقول سعيدة في إحدى نصوصها الشعرية:
"لحظة
لن أتنازل
ولو تحت الأرض
سنشق طريقا نحو النور
ففي القلب زروال"
فتحية إلى روح سعيدة الخالدة وسنردد دائما ومن بعدنا الأجيال القادمة:"سعيدة الشهيدة ,في التاريخ خالدة" ومن يكرم الشهيد يتبع خطاه حتى النصر.
فؤاد الهيلالي

سعيدة المَنَبْهِي ( ولدت عام 1952 في مراكش - توفيت في 11 ديسمبر عام 1977 في الدار البيضاء ) كانت شاعرة مغربية و ناشطة في المنظمة الماركسية الثورية إلى الأمام . في عام 1975 ، حكم علي سعيدة و خمسة أعضاء من المنظمة بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة القيام بأنشطة مناهضة ومعادية للدولة. في السجن بالدار البيضاء، قامت سعيدة بإضراب عن الطعام وتوفيت في اليوم السادس والثلاثين من الإضراب.والجدير بالذكر أن سعيدة المنبهي تعد أول شهيدة عربية في إضراب عن الطعام من أجل النضال الثوري. وتعتبر أيقونة للتضحية والمثابرة والصمود بالنسبة للشباب والطلبة المغاربة ومصدر إلهام للنضال اليساري، ووصفها الشاعر عبد الله زريقة بـ "امرأة أحبت الضوء"

ويعد شعر سعيدة المنبهي - الذي تم تجميعه ونشره عام 2000 - مثالًا رئيسيًا على الشعر المغربي الثوري والنسوي. ويذكر أنها كانت تكتب بالفرنسية.

ولدت سعيدة في حي شعبي يدعي رياض الزيتون، بمدينة مراكش ، وقضت طفولتها في الحي ذاته. وتصف والدتها طفولتها قائلة: "لم أجد صعوبة في تربيتها، كانت متواضعة، مجتهدة، تطالع باستمرار، تحب الأطفال، وكانت دائما وهي في طريقها إلى البيت، تصحب معها الأطفال الرعاة قصد إطعامهم، وبدورهم كانوا يعترضون طريقها ليقدموا لها الزهور".حصلت سعيدة على شهادة البكالوريا من مدرسة أبي العباس السبتي الثانوية بمراكش عام 1977، والتحقت بكلية الآداب بالرباط، شعبة الأدب الإنجليزي ، ثم التحقت بالمركز التربوي الجهوي لتتخرج أستاذة بالسلك الأول، ودرست مادة الفرنسية بمدرسة الخوارزمي الإعدادية بالرباط. في ذلك الوقت ناضلت في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أ.و.ط.م)، ثم الاتحاد المغربي للشغل قبل الالتحاق بالمنظمة الماركسية السرية " إلى الأمام ".تنحدر سعيدة المنبهي من عائلة مناضلة ذات طابع ثوري. فهي شقيقة عبد العزيز المنبهي، الذي تولي منصب رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعد المؤتمر 15 المنعقد في أغسطس 1972 والذي أقر لأول مرة بأن القضية الفلسطينية قضية وطنية. و قد أُختطف عام1973 وتعرض لأشد أنواع التعذيب، وبعد الإفراج عنه اضطر إلى مغادرة المغرب في نوفمبر 1977 ولم يعد إليها إلا عام 1994. كما اعتقل عزيز الوديي زوج شقيقة سعيدة،(خديجة المنبهي)، في سبتمبر 1972 وحكم عليه بـالسجن لمدة 10 سنوات قضاها كاملة بين سجن غبيلة بالدار البيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة (المغرب) برفقة أمين عبد الحميد وأحمد حرزني وعبد اللطيف اللعبي وأنيس بلفريج وسيون أسيدون وآخرين، وذلك بتهمة المساس بأمن الدولة.

في 16 يناير عام 1976،اختطفت سعيدة المنبهي واُحتجزت بمعتقل درب مولاي الشريف السري الشهير بكونه مركز أخطر جرائم التعذيب في عهد الملك المغربي الراحل الحسن الثاني ، بالدار البيضاء، بالإضافة إلي 3 ثلاث مناضلات أخريات مكثن معها بالمعتقل السري، وهناك تعرضن لشتي أنواع العقاب و التعذيب الجسدي والنفسي قبل نقلهن إلى السجن المدني بالدار البيضاء.و قد فرض عليها مع رفيقتيها فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح العزلة التامة بالسجن المدني بالدار البيضاء.

بالرغم من تعرض سعيدة لأقصى أنواع التعذيب، ظلت مؤمنة بمبادئها وقناعاتها و معتقداتها. ولم تتمكن قسوة الاعتقال من أن تنسيها محنة شعبها وقضاياه، ومن ثم بدأت تحمل على عاتقها مهمة جديدة وهي مراقبة وضع السجينات وتسليط الضوء على قضايا المرأة وخاصة النساء اللاتي عملن بالدعارة فحاولت التعرف على دوافعهن الأجتماعية والمادية لذلك،وقامت بدراسة قيمة أثناء فترة السجن وتناولت فيها موضوعات كالدعارة والرذيلة و الرشوة و الفساد من ناحية ارتباطها بالنظام السياسي القائم بالمغرب والذي عمل على نشر تلك الظواهر وتشجيعها في ظل مجتمع عانى فيه الشعب من البؤس والشقاء، وذلك بعد أن أستندت إلي شهادات عشرات النساء.حكم علي سعيدة المنبهي مع مجموعة أبراهام السرفاتي بالسجن لمدة خمس سنوات إلي جانب سنتين بتهمة الإساءة إلى القضاء ،وخلال هذه المحاكمة انتفضت ضد انتهاكات حقوق الدفاع، وبذلك ساهمت مع رفاقها في قلب الكفة، فأصبحت محاكمة محاكمة للنظام القائم بدلًا من محاكمة معارضيه. أعربت سعيدة المنبهي عن مساندتها لحق تقرير المصير وأدانت بشدة الوضع المأساوي لنساء المغرب واستغلالهن وذلك أثناء جلسات المحاكمة بالدار البيضاء ضمن مجموعة 138 (التي ضمت أبراهام السرفاتي وإدريس بنزكري وصلاح الدين الوديع وعبد القادر الشاوي) في 1977.

ابتداء من يوم 8 نوفمبر 1977 دخلت سعيدة المنبهي في إضراب تام عن الطعام وذلك بهدف سن قانون المعتقل السياسي والدعوة إلي تحسين ظروف المعتقلين وفك العزلة عن الرفيقات المناضلات وعن المناضل إبراهام السرفاتي ، وقد دام الإضراب لمدة 34 يوما نقلت بعدها إلى المستشفى، ومنعت عنها محاليل الماء والسكر، وبسبب الإهمال توفيت سعيدة يوم 11 ديسمبر 1977 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء وهي في سن 25 سنة.

كان شعر سعيدة المنبهي بمثابة الجهد الأدبي الذي ولد بين جدران السجون والمعتقلات. ففي عام 1976 في السجن المدني بالدار البيضاء، بدأت تكتب علي جدران السجن بأظافرها لتسجل معاناتها وتجاربها المريرة ولم تكن تطمح لشهرة أو مجد بل كانت تؤرخ محن الوطن.فعلى سبيل المثال كتبت قصيدة " فتيات اللذة " لتعبر فيها عن معاناة المرأة التي تضطر إلي اللجوء إلي الدعارة، وعبرت عن كون هؤلاء النساء والفتيات ضحايا أستغلال الرجال ونظرتهم المتدنية لهن باعتبارهن مجرد أجساد في مجتمع طغى عليه البؤس والشقاء. برعت سعيدة في كتابة الرسائل المؤثرة لأفراد أسرتها فكتبت "والداي الأعزاء". ولا تزال كلمات تلك الرسائل تثير مشاعر الثورة والنضال و الكفاح في نفوس من يقرأها "تذكروني بفرح فأنا وان كان جسدي بين القضبان الموحشة فان روحي العاتية مخترقة لأسوار السجن العالية وبواباته الموصدة وأصفاده وسياط الجلادين الذين أهدوني إلى الموت. أما جراحي فباسمة، محلقة بحرية، بحب متناه، تضحية فريدة، وبذل مستميت". وقبل وفاتها كتبت قصيدة "سأموت مناضلة" لتسطر بها آخر الصفحة الأخيرة في صفحات كفاحها الثوري.وتري الباحثة هند عروب في قراءة للشعر الثوري لسعيدة المنبهي "إن للحب حضور لافت على مدار القصائد والرسائل، فبه قاومت وتماسكت إلى أن رحلت. فحبها لعائلتها فردا فردا، كان متفجرا في الرسائل وتفاصيل أحاديث هذه الرسائل"، ثم تضيف "لا ننكر أن دور العائلة جلي في مد جسور الرسالة، الشيء الوحيد الذي يصبر المعتقلين ويشد أزرهم. كانت سعيدة تتحدث مع أخواتها عن كيفية تربية الأولاد ومعاملتهم، عن ذكرياتها مع إخوتها ووالديها، عن أحوالها داخل السجن، حنينها واشتياقها لتقبيلهم. والجميل في رسائلها أنها هي من كانت تطمئنهم عليها" وقد ترجم عبد اللطيف اللعبي النصوص الشعرية الخاصة بالسجينة الراحلة و نشرت بمجلة البديل عام 1982 في السنة الاولى العدد الثاني بعنوان (مختارات من ديوان سعيدة المنبهي )الصفحة 25 -36 والتي منعت عقب انتفاضة 1984الى جانب مجلات تقدمية أخرى.


أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته   غدا أحمد راكز و السلفية و السلفيون المتورطون و أحداث 16 ماي راكز: هذه كواليس انقلاب الصخيرات  وسجون...