عمر الزيدي يتذكر .. الاحتفال بعودة السلطان ومدارس الاستقلال
الإثنين 23 أكتوبر 2017 -
ليس لي أن أعرف في سني المبكر، لكن بالتأكيد كما سأطلع لاحقا على مجريات تاريخ الحركة الوطنية عموما ودور نضال سلا في ذلك؛ فكل هذه التظاهرات كانت بتحفيز وتنظيم من مناضلات الحركة الوطنية في سلا، وحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، أخوات الصفا اللواتي كن مرتبطات بالشورى والاستقلال.
وما زلت أذكر تلك التظاهرات التي كانت تنطلق من “الجامع الكبير” وتمر على حينا (السور) متجهة إلى ساحة باب بوحاجة، حيث توجد البلدية، والتي كانت تشكل مركز المدينة آنذاك. كانت والدتي (للا خديجة) حين تسمع شعارات المظاهرات تخرج مسرعة للمشاركة، دون أن تنسى توثيق رباطي مع أحد الأعمدة في المنزل خوفا عليّ، حتى لا أتبعها. ذات يوم، لا أذكر إن كان في سنة 1954 أو 1955، خرجت أمي مسرعة دون توثيقي كالعادة، وكانت صحبة عمتي.
فتبعتها صحبة ابن عمتي، وهو في سني تقريبا. ما زلت أتذكر ذلك الحشد الذي كان يصدح بنشيد: “من جبالنا طلع شعب ينادينا بالاستقلال” ثم شعار “بن يوسف إلى عرشه”.
كانت التظاهرة تبعدنا، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا ساحة باب بوحاجة، فلم نعد نر إلا “البلاغي” التي تملأ الساحة، حيث فر من فر، واعتقل من اعتقل من لدن قوات “الكوم” و”لاليجو” (سالغان= وهم الأفارقة الذين تجندهم فرنسا لقمع شعوب المستعمرات).
فتقدم منا شرطي فرنسي بلباسه الرسمي ونحن، أنا وابن عمتي، نرتجف من الخوف، صرخ في وجهينا بعربيته المتلعثمة: “آش تادير انتا هنا”، وصفعني بقوة، فأعطينا أرجلنا للريح ولم نتوقف حتى وصلنا المنزل، نلهث من الخوف وطول مسافة الجري.
هل تتذكر عودة محمد الخامس من المنفى؟
نعم، كان يوم رجوع المغفور له الملك محمد الخامس في 16 نونبر 1955 يوم احتفال استثنائيا لدى المغاربة، اصطحبني أبي معه إلى حشد الاستقبال. ما زلت أذكر ذلك الحشد الكبير من الناس بباب الخميس في سلا ينتظر حلول الطائرة التي تقل الملك.
كيف جرى استقبال السلطان محمد الخامس؟
لقد جرى استقبال محمد الخامس من لدن حشود كبيرة جدا، لم أر يوما مثل تلك الحشود، اعتقدت وكأن كل سكان المغرب حجوا إلى مدينة سلا ذلك اليوم، اختفت الشرطة و”الكوم” و”لاليجو”.
حل محلهم الوطنيون وأعضاء نقابة “الاتحاد المغربي للشغل”، بلباسهم العادي، يتميزون عن الجمهور بمنديل (براسار) في ذراعهم. فكانوا هم الذين يسهرون على تنظيم الحشود ونظام الطريق. يوجهون الحافلات والشاحنات المملوءة بالناس حتى فوق سقوفها.
بضع ساعات وها هي الطائرة تحلق فوق سماء سلا، أرست في مطار سلا وبدأ الحشد يتحرك في اتجاه المشور بتواركة. توجهت صحبة أبي إلى القنطرة الخشبية التي تربط سلا بالرباط آنذاك، فالقنطرة الحسنية شيدت بعد ذلك (سنة 1958 على ما أعتقد). المشي على الأرجل، لا يمكن تصور أي وسيلة للنقل آنذاك، مع الحشود الكثيرة.
وصلتم إلى تواركة؟
نعم، وصلنا إلى تواركة وسط حشود الناس..
كيف كانت تواركة حينذاك؟
تواركة، على ما أذكر، كانت مثل جزء من “ثيرة” في بادية. مليئة بتراب “الحمري”، الطريق غير مبلطة، الخيام في كل مكان، الناس ترقص وتصدح بالأناشيد والشعارات، وفجأة تنطلق النار في إحدى الحارات والناس يصرخون “البغدادي شتي المانضا ما شتي هذي”. لقد تم صب البنزين على القايد البغدادي وأشعلت فيه النار، فهو كان عميل الاستعمار وجاء لتقديم البيعة والاعتذار.
ما هي مظاهر الاحتفال؟
استعجلني أبي للخروج من تواركة والرجوع إلى المنزل، وعلى امتداد الطريق إلى سلا، مرورا بشارع محمد الخامس الجميع يحتفل ويرقص على طول الطريق “الصامبا والرامبا في شارع الخامس”. الحالة نفسها الموجودة في شارع محمد الخامس، كانت على امتداد الطريق إلى سلا، حيث كان الاحتفال والرقص طيلة الليل في باب بوحاجة، المشهورة بقمع الوطنيين المتظاهرين والتي عرفت مجزرة 29 يناير 1944، وهي تسمى حاليا “ساحة الشهداء”..
بعد عودة محمد الخامس وحصول المغرب على الاستقلال تابعت دراستك الابتدائية..
نعم، وأذكر أن نظام المدرسة آنذاك كان يعتمد على التفويج، فوجان في الصباح، ومثلهما بعد الزوال. هكذا، أصبحت المدرسة تستقبل ضعف إمكاناتها الاستيعابية، لأن ساكنة سلا هبت كلها لتسجيل أبنائها وبناتها في المدرسة التي كانت ممنوعة منها أيام الاستعمار.
هل كان المغاربة ممنوعين من الدراسة إبان الاستعمار؟
أيام الاستعمار كان التعليم مقسما حسب فئات المجتمع وتنوعها، كان هناك المسار التعليمي العادي يلجه أبناء الأعيان والفئات المتوسطة (مثل مدرسة السور في سلا)، يوجهون بعدها إلى الثانويات في الرباط. وأبناء الفئات الفقيرة يخصص لهم تعليم ابتدائي يوجهون بعده إلى تعلم الحرف (مثلا مدرسة باب فاس في سلا التي توجه التلاميذ الناجحين في الابتدائي إلى إعدادية باب سبتة. يضاف إلى هذا التعليم الخاص بالفرنسيين والأوروبيين عموما، كانت مدرسة الرمل مخصصة لذلك في سلا (هي مقر نيابة التعليم الحالية في سلا).
بالنسبة إلى اليهود في سلا كان يسمح لهم بولوج المدارس المخصصة للفرنسيين أو يلجون المدرسة الإسرائيلية بالرباط (الإسرائيلية نسبة إلى الدين وليس إلى الدولة الصهيونية). وطبعا، ستعمل الحركة الوطنية على تأسيس المدارس الحرة، مثل مدرسة النهضة في سلا (أصبحت حاليا ثانوية مندمجة في مؤسسات وزارة التربية الوطنية)، هذه المؤسسة العظيمة التي تخرج منها العديد من الأطر المناضلة كانت تحت إدارة الفقيد أبي بكر القادري، وتأسست بفضل تضحيات المواطنين والمواطنات في سلا. المرحوم بنزايرة وهب الأرض في باب شعفة، حيث بنيت المدرسة، والعاملين في البناء عملوا تطوعا والأموال جمعت من مساهمات السكان. هكذا، تأسست النهضة بشكل وطني وشعبي خالص.
إذن، فتحت المدارس في وجه أبناء المغاربة بعد الاستقلال؟
نعم، أذكر أن مدرسة السور كانت أيام الاستعمار مفتوحة أمام أبناء الأعيان (الفئات المتوسطة والغنية في المدينة)، حيث يمكنهم إتمام تعليمهم بالثانوي في الرباط والعالي بفرنسا. أما الفئات الفقيرة، فكانت لهم مدرسة باب فاس (التي أصبحت الآن إعدادية ابن عباد)، حيث يدرسون إلى حدود الشهادة الابتدائية ويوجهون إلى المدرسة التقنية باب سبتة (التي أصبحت الآن ثانوية الأيوبي) حيث يتعلمون “الصنعة” (إحدى الحرف= النجارة، الحدادة، إلخ)…
ما المواد التي كنتم تدرسونها آنذاك؟
كنا ندرس العربية والفرنسية منذ التحضيري، لكل مادة حصة، إما صباحية أو مسائية. الفرنسيون هم من يتولون تدريس الفرنسية (اللغة – الحساب- الأشياء وغيرها). أما العربية، بالإضافة إلى قواعد اللغة من نحو وشكل وإنشاء، كان حفظ القرآن والتاريخ.
وهل كانت هناك أنشطة موازية أم كنتم تكتفون بدراسة المواد المقررة وحسب؟
بالإضافة إلى الدراسة، كانت هناك أنشطة موازية، من رياضة ومسرح وأناشيد، إضافة إلى المخيمات الصيفية التي كانت تنظمها وزارة التعليم. لا أنسى الحملات الطبية التي كانت تنظم من حين إلى آخر، حيث يخضع كل الأطفال في المدرسة للفحص الطبي على العيون، ولا أنسى كذلك طبخ الحليب في ساحة المدرسة وتوزيعه على كل التلاميذ الذين يصحبون معهم كؤوسهم.
كانت لحظات المخيم الصيفي، الذي يدوم 21 يوما، من اللحظات المهمة التي بقيت موشومة في ذاكرتنا. في الغالب، كان أساتذتنا هم الذين يتولون مهام التأطير في تلك المخيمات؛ وهو ما كان يساعد على نسج علاقات إنسانية مهمة تحفز وتساعد على الاجتهاد في التحصيل. استفدت، على ما أذكر، في موسمين، سنة 1958 وسنة 1959، الأول في الحاجب والثاني في إيموزار كندر.
يبدو أنك كنت مجتهدا، أليس كذلك؟
(يضحك)… بلى، كنت مجتهدا في دراستي، خاصة الفرنسية؛ لأن أبي كان يراجعني يوميا ويلح عليّ بحفظ الكلمات، فقد كان يتقن الفرنسية، مهنته في التمريض تضعه في احتكاك مستمر مع الفرنسيين من ممرضات وأطباء. فبالرغم من سهراته المستمرة خارج البيت، كان يستظهرني قبل نومه.
وإن كنت قد نمت، يوقظني لكي أستظهر قبل رجوعي إلى النوم. كان أبي لطيفا معي، بالرغم من انضباطه وصرامته في التعامل. لم أذكر يوما أنه عنفني أو ضربني، بخلاف الوالدة، التي كانت بكثرة خوفها علي تضربني بمبرر أو دونه. يكفي أن يتشكى أحد الجيران من ابن عمتي الذي كان شديد المشاكل، حتى أتلقى حفلة ضرب حتى لا أجرؤ ذات يوم لأفعل مثله.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق