الثلاثاء، 19 يناير 2021

الزيدي يتذكر ..-4-و-5-

 

يُعد عمر الزيدي واحدا من مؤسسي اليسار الجديد بالمغرب، هذا المكون السياسي الذي ظهر بالمغرب، بُعيد الاستقلال مباشرة، لأسباب مرتبطة بالتحولات الإقليمية والدولية التي شهدها العالم آنئذ.

كما أن عمر الزيدي يعتبر من مؤسسي حركة “لنخدم الشعب” ذات النزوع الماركسي اللينيني، حيث تأسست هذه الحركة داخل بيته رفقة بعض الأسماء التي لا تزال على قيد الحياة، منها من تنكر “لنخدم الشعب” وارتمى في أحضان “عدو الأمس”، بينما ظل الزيدي يشتغل في أحضان المجتمع، من العمل السياسي والأفكار الحالمة في التغيير، إلى العمل من خلال المجتمع المدني.

في هذا الحوار، الذي ستنشره هسبريس منجما، سنحاول أن نرصد من خلاله التاريخ الثقافي لمدينة سلا، وهي المدينة التي نشأ فيها صاحبنا/ الزيدي، والتوقف عند التنشئة الثقافية والسياسية لجيل اليسار الجديد، وكذا معرفة جزء من الذاكرة/ التاريخ الراهن للمغرب من خلال جيل آمن بالتغيير عن طريق الثورة، فتحول إلى الإيمان بالتغيير المدني.

كيف حدث ذلك؟ هذا ما سوف نعرفه من خلال هذه السلسلة من الحوارات.

-4-

بعد حصولك على “الشهادة” الابتدائية، أين توجهت؟

آه، سنة 1963 توفقت في امتحان الشهادة الابتدائية وامتحان التوجيه للالتحاق بالثانوي، فتم توجيهي إلى إعدادية يعقوب المنصور بالرباط..

ولماذا توجهت إلى الرباط عوض سلا؟

لأن سلا آنذاك لم تكن تتوفر على الثانويات، كان هناك التعليم الحر في ثانوية النهضة، أو التعليم المهني والقصير في باب سبتة..

وكيف كنتم تتنقلون من سلا إلى الرباط؟

كانت وسيلة التنقل حافلة صغيرة كنا نسميها “مدام شرويط” (لا أعرف لماذا كان الناس يسمونها هكذا)، تنقل الراكبين من باب بوحاجة وتضعهم بعد قنطرة “مولاي الحسن” في بوخالف (قرب فندق فرح حاليا)، ونتمم الطريق على الأرجل. الحافلة الكبيرة رقم 6 لم تكن على أحسن حال، فهي تنقل الركاب إلى “البويبة”، فألححت على والدي بأن يشتري لي دراجة هوائية، وبعد إلحاح دام شهورا اقتنى لي دراجة جديدة.

في هذه السنوات بدأ الصراع السياسي بالمغرب؟ هل تتذكر منه شيئا؟

نعم، خلال سنة 1964 أصبحت حواجز الأمن كثيرة في قنطرة “مولاي الحسن”، ونحن يافعون أصبحنا نتساءل: ما الأمر؟ فانتشر الخبر بأن الأمن يبحث عن شيخ العرب. من هو؟ الجواب سأجده عند شباب الحي الذي يقيم كل مساء حلقات للنقاش.

وهل عرفت من يكون شيخ العرب آنذاك؟

طبعا، سأعرف أنه اتحادي حمل السلاح للمقاومة، وأن الاتحاديين في المعتقلات، وأن بنبركة في الخارج. فتذكرت ذلك التجمع الحاشد بباب لمريسة سنة 1962، الذي كان ينادي بمقاطعة التصويت على الدستور، ويصرخ: “لا ركوع بعد اليوم”. بعد ذلك أصبحت أهتم بالسياسة للاطلاع فقط، فسني لم تكن تسمح لي بالانخراط فيها، والعائلة لم تكن منخرطة في العمل السياسي، إضافة إلى أنه كانت لي اهتمامات أخرى، في الرياضة والموسيقى الغربية على الخصوص.

وماذا عن سنة 1965؟

في سنة 1965، أتذكر أني لأول مرة في حياتي أشارك في الإضراب عن الدراسة. كان ذلك يوم الجمعة 22 أو 23 مارس (على ما أذكر). انطلق الإضراب في ثانوية يعقوب المنصور التي أدرس بها، والذين كانوا يقودون الإضراب هم التلاميذ الكبار آنذاك. الجميع منع من الالتحاق بصفوف الدراسة، فتوجهت مظاهرة للتلاميذ إلى “ليسي كورو” (ثانوية الحسن الثاني حاليا). كل التلاميذ خرجوا من أقسامهم.

بعد الزوال، توجه الجميع في تظاهرة إلى ثانوية محمد الخامس، وفي الغد، السبت صباحا، كانت التظاهرة في شارع محمد الخامس، وتم التوجه إلى ثانوية مولاي يوسف، ثم باب الرواح أمام وزارة التعليم. الجميع يصدح بشعار: “بلعباس سير بحالك، التعليم ماشي ديالك”.

يعني سبب الإضراب كان هو مذكرة وزير التعليم آنذاك.

نعم، سبب الإضراب كان هو قرار وزير التعليم بمنع من تصل سنه إلى 18 سنة أن يتمم تعليمه الثانوي ويلتحق بالعالي، حيث أراد أن يعيد إغلاق أبواب المدارس أمام أبناء الفقراء، هذه الأبواب التي فرض عليها الانفتاح تحت الضغط الجماهيري غداة الاستقلال. الذي ولج المدرسة في 1956 يتم طرده بعد 1965. تحولت المظاهرات في الدار البيضاء إلى مأساة، حيث سقط المئات من القتلى برصاص أوفقير من فوق الهيلوكوبتر. استمر الإضراب 15 يوما، بعدها تراجعت الوزارة عن القرار، فاستؤنفت الدراسة. إحياء ذكرى أحداث 23 مارس استمر سنوات طويلة بعد ذلك.

في هذه السنوات، هل انخرطت في العمل السياسي؟

في البداية انخرطت في الرياضة، وهكذا انخرطت في كرة اليد بفريق “الجمعية الرياضية السلاوية”، لكني بعد بضعة تداريب أصابني نوع من الاشمئزاز من عناصر الفريق، فقد لاحظت لديهم نوعا من التمييز والإقصاء، وكأن هذه اللعبة خاصة بأبناء بعض العائلات التي تتعارف فيما بينها. غادرتهم والتحقت بفريق “الفتح الرباطي”، قسم “الجمباز”. كان التعامل جيدا، فأصبحت لاعبا في الجمباز. اجتزت مرحلة الصغار(المينيم)، وأصبحت في مرتبة اليافعين (الكاضي)، فصرت أهوى هذه الرياضة المكتملة، التي يشعر الإنسان بفضائلها في حياته اليومية. دراستي بالرباط ونادي الرياضة بالرباط جعلاني أدخل في علاقات صداقة مع شباب الرباط. تعرفت على شباب من أكدال، وديور الجامع، والمحيط، والمدينة إلخ..

يعني أن فضاء الرباط كان متميزا عن فضاء سلا، بالرغم من تقارب المدينين.

في الرباط أصبحت هوايتي القراءة وقضاء الأوقات في الخزانة العامة بالرباط وخزانة البعثة الثقافية الفرنسية، إضافة إلى الرياضة التي كنت أواظب عليها، وكانت الدراجة تساعدني على قطع المسافة ثلاث مرات في الأسبوع من سلا إلى المحيط، بقاعة “لالورين” بحي مدغشقر. هذه العلاقات في الرباط دفعتني إلى الانخراط في جمعية للأوراش بالرباط صحبة أصدقاء من الرباط. كان لنا ورش بناء مطعم في مدرسة الأقواس بالرباط صباح كل أحد، إلى أن أكملنا ذلك العمل. أصبحت أهوى الموسيقى الغربية، فتأثرت كثيرا بفرق “البيتلز” و”رولينغ ستون”، إضافة إلى كل نجوم “البلوز” الأمريكيين، وقد اشتريت قيثارة وأصبحت أتعلم العزف لوحدي، إلى جانب مزاولتي كل أشكال الرقص العالمي. كنت أقضي أوقاتا طويلة أعزف على القيثارة في شاطئ البحر، عند كل مساء مع غروب الشمس بصحبة كلبي “دوكس” (بيرجي ألماني)، كان قد أهداني إياه أبي وهو لم يتمم بعد أسبوعين من عمره، وكنت أحتضنه في فراشي وأتكفل بإرضاعه الحليب، وأصحبه إلى البيطري بشكل دوري كل سنة. كان لي نعم الصديق. ربما شكل هذا الارتماء الكبير في الموسيقى والرقص، والعزلة مع كلبي، نوعا من التنفيس عن الصدمة التي أصبت بها بعد فقدان جدي سنة 1966.

مؤامرة 1963 واتهام اتحاديين..

لم يكن بإمكاني معرفة ما جرى سنة 1963، ولكن ما عرفته أن البرلماني الاتحادي بسلا المهدي العلوي، الذي سرنا في مسيرات مناصرته ونحن صغار، قد هرب إلى الخارج وأفلت من حملة الاعتقالات التي طالت مناضلي “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” (يسار الحركة الوطنية)، هذه الحملة التي طالت عبد الرحمان اليوسفي والفقيه محمد البصري وكل عناصر اللجنة الإدارية تقريبا، إضافة إلى مناضلين في الفروع.

في سنة 1965 وقعت حالة الاستثناء..

أتذكر خطاب المرحوم الملك الحسن الثاني في يونيو 1965، الذي أعلن فيه عن حل البرلمان ودخول البلاد حالة الاستثناء، وهو الإجراء الذي قذف بكل أحزاب الحركة الوطنية خارج دواليب الحكم، سواء من حيث التمثيل البرلماني أو المشاركة الحكومية. هذا الإجراء ترك كل شيء في يد الملك، الذي اعتمد أساسا على الجيش، وأصبح الجنرال أوفقير يمسك البلاد بيد قوية، معتمدا على كل أشكال القمع ومحتكرا الدفاع والداخلية.

مقتل المهدي بنبركة في باريس..

الشهيد المهدي بنبركة لم يكن في المغرب إبان حملة القمع التي طالت الاتحاد سنة 1963، إذ كان قد غادر المغرب قبل ذلك، وكان تقريره الهام “الاختيار الثوري” الذي بعثه إلى المؤتمر الثاني للحزب لم يحظ بالأغلبية، فتم الإقرار بتقرير الفقيد عبد الله إبراهيم. الشهيد المهدي بنبركة استمر في عمله المعارض من الخارج، وكان له دور هام في إعداد مؤتمر حركات التحرر في القارات الثلاث، (تري كونتينونطال) التي تجمع أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا. انعقد هذا المؤتمر في أواخر سنة 1965 بهفانا، عاصمة كوبا، وكان من المؤمل أن يرأسه الشهيد المهدي، إلا أن أيادي الإجرام طالته يوم 29 أكتوبر 1965، حيث تم اختطافه من مقهى “ليب” بباريس. وأصبح واضحا من خلال العديد من الوثائق والشهادات أن هناك مخابرات متعددة متورطة في اختطافه من المغرب والولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل وفرنسا. كل الأسرار لم يكشف عنها بعد، والملف لا يزال مفتوحا للبحث عن حقيقة ما جرى، وما هي درجة تورط كل طرف من المخابرات الأربع. ليست لي ذكريات خاصة بالحدث، لكن ما أذكره هو التظاهرات السنوية التي كان يقوم بها المناضلون الاتحاديون رغم القمع المسلط عليهم.


أمام مقهى “ليب” بباريس صحبة خالد مريزق وعبد الإله حبايلي (بالقبعة)، في إطار المشاركة في وقفة 29 أكتوبر 2000، تخليدا للذكرى الـ35 لاختطاف الشهيد المهدي بنبركة

كيف تلقى جيلك هزيمة 1967؟

تلقى المجتمع صدمة كبيرة في هزيمة يونيو 1967، فقد كان أمله في قوة الفقيد جمال عبدالناصر. في كل البيوت كنت تجد على الجدران صورتي محمد الخامس وجمال عبد الناصر. وإن كان الناس صدموا مرة، فأنا صدمت مرتين: الهزيمة وتوسع الاحتلال الإسرائيلي، ورحيل فيوليت مع عائلتها إلى كندا. العائلات اليهودية أصبحت تغادر اتباعا، والجميع رحل إلا واحدا: فافوريت الذي كان مقدما في حي الملاح، بقي في سلا، كما بقي مقدما إلى حين وفاته.

ولماذا كان اليهود المغاربة يغادرون المغرب؟

قبل الكلام عن مغادرة اليهود المغاربة المغرب لا بد من توضيح مسألة أساسية حول اليهود المغاربة. فهم مغاربة أصليون. يمكن للإيجاز أن نتكلم عن فئتين: الأولى عبارة عن قبائل أمازيغية مغربية منذ قرون، قبل مجيء الإسلام إلى المغرب. كانوا يوجدون في سوس، الأطلس الكبير والأطلس المتوسط. الثانية هم اليهود الذين طردوا من الأندلس صحبة المسلمين، وهم الموريسكيون (يهود ومسلمون) واستقروا في العديد من الحواضر في الشمال والرباط وسلا وفاس وصفرو ووزان وغيرها (كتاب حايم الزعفراني يوضح العديد من هذه الأمور).

نأتي الآن إلى مغادرة اليهود المغرب. لقد تمت المغادرة عبر حملتين كبيرتين: الأولى في سنتي 1958-1959 إلى بداية الستينيات، وكانت نتيجة تحرك لوبيات صهيونية، بتواطؤ مع من سهل عملية الترحيل عبر بواخر. والثانية جاءت بعد حرب يونيو 1967، وكانت محكومة بالخوف من ردود الفعل الشعبية ضد إسرائيل، والتي قد تخلط بين الصهيونية واليهودية كديانة، التي يعتنقها جزء من المغاربة، وهذه الهجرات كانت في أغلبها موجهة إلى أوربا (فرنسا أساسا) أو كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

متى بدأ الالتزام السياسي بالنسبة إليك تحديدا؟

في أواخر الستينيات استرجعتني سلا إلى أحضانها عبر العمل الجمعوي “الجمعية المغربية لتربية الشبيبة”، ففيها تعلمت الكثير، وفيها فهمت القضية الفلسطينية ومعنى الالتزام، وفيها بدأ مشواري السياسي.





 الزيدي يتذكر .. الرفيقة لوغي الفرنسية ومنظمة "23 مارس" الماركسية

نشر في هسبريس يوم 09 - 11 - 2017

يُعد عمر الزيدي واحدا من مؤسسي اليسار الجديد بالمغرب، هذا المكون السياسي الذي ظهر بالمغرب، بُعيد الاستقلال مباشرة، لأسباب مرتبطة بالتحولات الإقليمية والدولية التي شهدها العالم آنئذ.
كما أن عمر الزيدي يعتبر من مؤسسي حركة "لنخدم الشعب" ذات النزوع الماركسي اللينيني، حيث تأسست هذه الحركة داخل بيته رفقة بعض الأسماء التي لا تزال على قيد الحياة، منها من تنكر "لنخدم الشعب" وارتمى في أحضان "عدو الأمس"، بينما ظل الزيدي يشتغل في أحضان المجتمع، من العمل السياسي والأفكار الحالمة في التغيير، إلى العمل من خلال المجتمع المدني..
في هذا الحوار، الذي ستنشره هسبريس منجما، سنحاول أن نرصد من خلاله التاريخ الثقافي لمدينة سلا، وهي المدينة التي نشأ فيها صاحبنا/ الزيدي، والتوقف عند التنشئة الثقافية والسياسية لجيل اليسار الجديد، وكذا معرفة جزء من الذاكرة/ التاريخ الراهن للمغرب من خلال جيل آمن بالتغيير عن طريق الثورة فتحول إلى الإيمان بالتغيير المدني..
كيف حدث ذلك؟؟! هذا ما سوف نعرفه من خلال هذه السلسلة من الحوارات!!
-5-
بعد رحيل فيوليت، الفتاة اليهودية، إلى كندا، هل ملأت وقتك العاطفي بالعمل السياسي أم بحثت عن فتاة أخرى تعوضك صديقتك اليهودية؟
(يضحك) أذكر أنه في أواخر 1967 أتيحت لي فرصة إقامة علاقة مع فتاة فرنسية، حيث تطورت بيننا صداقة بالمراسلة. كانت المراسلات بيني وبين أنيك لوغي أسبوعية، وأحيانا أكثر من مرة في الأسبوع. كانت شابة من مدينة سان بريوك ببروطان شمال غرب فرنسا. كانت نقاشاتنا سياسية وفكرية: حول فلسطين، العنصرية، أحداث ماي 68، حركات التحرر في العالم، الاشتراكية، الشيوعية، تاريخ فرنسا، ثورة 1789، تاريخ المغرب ووضعه السياسي، والحركة الوطنية في المغرب.
Annick Le gué الفتاة الفرنسية
يعني استفدت من هذه النقاشات مع الأخت لوغي؟
صحيح، لأن هذه النقاشات كانت تدفعني إلى البحث والدراسة وقراءة الكتب أكثر مما كنت، وتتبع المجلات (لاماليف) والجرائد ("لوبينيون"، "مغرب أنفورماسيون"، "لوبوتي ماروكان"، "لا فيجي"، وهما جريدتان كانتا منذ الاستعمار (مجموعة "ماس") وتحولتا إلى "لوماتان" و"ماروك سوار" بعد شرائهما مغربيا). هذه هي الجرائد التي كانت موجودة آنذاك، والتي كانت مرتبطة بحزب الاستقلال أو الاتحاد المغربي للشغل أو الدولة.
وهل سبق لك أن التقيت بلوغي هنا في المغرب؟
لا أبدا، انقطع بيننا التواصل منذ 1970، أي منذ انخراطي في العمل السياسي التنظيمي، وتعرضي للملاحقات والاعتقالات. لكن "الفيسبوك" أعاد بيننا التواصل والتقينا في باريس سنة 2016. كان لقاء ثقافيا جيدا، حيث اكتشفت أنها هي الأخرى مناضلة مدنية في مجال الإيكولوجيا، عضو في "كرين بيس" (السلام الأخضر) فرع فرنسا.
لم تكن تطرح هذه العلاقة أي مشكل اجتماعي أو ثقافي؟
كان النقاش بيننا مفتوحا ومكسرا لكل الطابوهات. لم تكن هناك مشكلات هوياتية مطروحة في العالم كما هو الحال اليوم. كان نقاشا ثقافيا وفلسفيا، يدفع كل واحد منا إلى البحث والقراءة لتطوير النقاش. لم نكن نملأ مراسلاتنا بالأحاسيس الحميمية، ولكن نملؤها بنقاشات مواضيع مختلفة في الحياة، تدفعنا إلى البحث والكتابة الجدية. كما كنا نقيم عروضا في مواضيع مختلفة، مما جعل وتيرة مراسلاتنا سريعة، ثلاث مراسلات في الأسبوع تقريبا، وكأننا نعيش سويا في مكان واحد. كنا نتبادل الهدايا: كتب أو أسطوانات الغناء.
مع الأخت لوغي بدأت التفكير في الانخراط السياسي؟
المحفز للانخراط في العمل السياسي كان هو واقعنا في المغرب وشيوع الفقر والتهميش وانعدام الحريات. النقاشات مع الصديقة لوغي، والمناخ الفكري بيننا، إضافة إلى الحياة الثقافية في سلا.. كل هذا جعلني أنخرط، أولا، في فرع الجمعية المغربية لتربية الشبيبة بسلا في سنة 1969. كانت الوضعية السياسية بالبلاد مشحونة باعتقال مجموعة من المناضلين الاتحاديين بأمزميز وحجز أسلحة معهم، وقد عمت الاعتقالات العديد من المناطق، كما اختطف الفقيد أحمد بنجلون وبونعيلات في مدريد بإسبانيا، ونقلا إلى السجن العسكري. كان المناضلون الاتحاديون يترقبون في سلا، مما أثر على السير العادي للفرع. وتم تجديد مكتب الفرع، فتحملت مسؤولية في المكتب، إلى جانب مجموعة من الرفاق، الذين سأكتشف فيما بعد أن أغلبهم من التنظيم الماركسي الذي سأنخرط فيه في أكتوبر 1970.
هذا التاريخ يرتبط بما سمي حينها بانتفاضة أولاد خليفة؟
نعم، هذا التاريخ يرتبط بحدث انتفاضة أولاد خليفة الشهيرة. ذات يوم من أواخر شتنبر أو بدايات أكتوبر 1970 نشرت "لوبنيون"، الناطقة بالفرنسية، بالبنط العريض، ما معناه "مواجهة عنيفة في الغرب سقط على إثرها 5 من الفلاحين و6 من القوات العمومية"، وهي جريدة ناطقة باسم حزب الاستقلال المعارض منذ إعلان حالة الاستثناء، التي أقرها المرحوم الحسن الثاني في خطاب يونيو 1965 على إثر أحداث مارس 1965.
اجتمعنا في مكتب الجمعية (لاميج) وقررنا بعث لجنة للتحقيق في الأحداث. ما زلت أذكر أسماء أعضاء اللجنة: الهراس محمد والمرحوم البوحتري محمد، وكانا اتحاديين، إضافة إلى الفاطمي العلوي والمرحوم الحاكوشي محمد التهامي...
من هم هؤلاء؟
سأكتشف فيما بعد أنهم من مناضلي اليسار الجديد، وكانوا في منظمة "ب"، التي انتميت إليها كذلك. جاء التقرير وكان صادما، إذ سقط 50 ضحية من الفلاحين، بالإضافة إلى المعتقلين ضحية جشع الملاكين العقاريين الكبار، الذين ارتموا على أراضي القبائل المسترجعة من المعمرين. لم أكتف بالتنديد، الذي عبر عنه مكتب الجمعية بتنظيمه ندوة في المقر المشترك مع جمعية الطفولة الشعبية حول موضوع "الأراضي المسترجعة والحقوق التاريخية للقبائل"، بل فكرت من خارج الجمعية، إلى جانب اثنين من الرفاق، بأن نقوم بعمل ما للتعبير عن غضبنا ورفضنا، فاهتدينا إلى الكتابة في جدران سلا بالصباغة الحمراء بشعارات قوية تعلن التضامن مع فلاحي أولاد خليفة وتندد بالنظام. بعد ذلك سيتصل بي أحد الرفاق، عبد الله زنيبر الموجود حاليا بفرنسا، ويقوم بعمل مدني رائع في التضامن مع النسيج الجمعوي في المغرب. طرح علي عبد الله، وأنا في منزله العائلي، أن أنخرط في تنظيم ماركسي لينيني سري، فقبلت على الفور، وهو منظمة "ب"، التي ستصبح فيما بعد منظمة "23 مارس" و"منظمة لنخدم الشعب"، التي تشكلت بعد اعتقالات فبراير 1972، نتيجة الخلافات التي كانت تعرفها منظمة "ب" منذ صيف 1970.
يعني أن العمل الجمعوي هو للتستر على العمل السياسي السري؟
لا يمكن القول بهذه الإطلاقية، لكن شروط العمل السياسي كانت شبه منعدمة: المقرات محاصرة أو مقفلة بأمر السلطة، وأي نشاط يتعرض للقمع، فكان العمل الجمعوي متنفسا يستطيع المناضلون من خلاله الوصول إلى الناس بهذا الشكل أو ذاك، وبذلك تمرر الرسائل السياسية وتنسج العلاقات والاستقطابات. العمل داخل الجمعية كان واضح الأهداف: تكثيف العمل الثقافي والتوعوي والانخراط في العمل الاجتماعي داخل الأحياء الشعبية وتطوير العلاقات مع العمال...
كيف؟
ما زلت أذكر أن البرنامج الثقافي كان يدوم طيلة السنة: الثلاثة أشهر الأولى مخصصة لحركات التحرر والقضية الفلسطينية، والثلاثة أشهر الثانية للتخلف والاستعمار الجديد، والثلاثة أشهر الأخيرة للمغرب. وقد كنا نستدعي محاضرين في هذه المجالات، كل خميس، حيث استضفنا عبد اللطيف الدرقاوي وعبد اللطيف اللعبي والأستاذ بودقة، وهو فلسطيني من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. كما قمنا بأبحاث ميدانية في معمل "باروك" ومعمل "فيلروك" بسلا، مما دفعنا إلى التفكير في تشكيل فرق كرة القدم للمعامل والحرف بسلا. كذلك اشتغلنا في "دوار اسماعلة" الصفيحي لمحاربة الأمية وتقديم دروس الدعم للأطفال المقبلين على اجتياز الشهادة الابتدائية.
كما تطوعنا، بمشاركة السكان، في إصلاح البئر بتبليط جنباتها وتنظيفها وإصلاح مسجد الدوار، وكنا نساعد على إصلاح سقوف "البراريك" مع بداية فصل الشتاء. هذا العمل جعل شباب الدوار يقلعون عن العادات السيئة مثل تدخين الكيف ب"السبسي" ولعب الورق، وأصبحوا يحضرون معنا في الجمعية. كثرة هذه المهام وزحمة العمل لم تجعلاني منتظما في مراسلة أنيك، كما لم أعد أتوصل بمراسلاتها كذلك. وقد عرفت منذ أكثر من سنة أنها فقدت أمها في تلك الظروف وغادرت إلى باريس لأنها لم تقو على البقاء في المدينة التي فقدت فيها أمها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته   غدا أحمد راكز و السلفية و السلفيون المتورطون و أحداث 16 ماي راكز: هذه كواليس انقلاب الصخيرات  وسجون...