السبت، 6 فبراير 2021

أسيدون: أخذوني إلى المعتقل وابنتي لم تكمل شهرها الرابع=3=

 أسيدون: أخذوني إلى المعتقل وابنتي لم تكمل شهرها الرابع=3=



نشر في أخبار اليوم يوم 10 - 12 - 2009

قرأت البيان الشيوعي وعمري 15 سنة ووجدت فيه طموح المساواة الذي علمني إياه والدي
- لماذا لم يغادر والدا "سيون" المغرب في اتجاه فلسطين وقت حملة التهجير كما فعل العديد من اليهود المغاربة آنذاك؟
عندما أستعيد مسار حياة أتأكد في كل مرة من أن والدي لعب دورا كبيرا في تكويني، وأن عددا من الأمور في حياتي وفي التزاماتي اللاحقة كان لتربية أبوي دور حاسم فيها، ومن بين الأشياء التي أتذكرها الآن ونتقاسمها في ما بيننا في العائلة الصغيرة وعلمنا إياها والدنا هي: طموح العدل وطموح المساواة وعدم ظلم الناس، وأنا أعترف اليوم بأن قناعة رفض إعطاء الرشوة ومحاربة الرشوة هي درس علمني إياه والدي، كذلك رفض التعسف والظلم فقد تعلمته منه، إذ كان دائما يحكي عن الظلم الذي تعرض له على يد المستعمر، وكيف أن الجنود الفرنسيين تعسفوا عليه عندما كان تاجرا بسيطا في مدينة أكادير وكيف صمد في وجههم ولم يخضع لهم. هذه القيم التي تربينا عليها وتبنيناها جعلتنا في كبرنا نؤثر بدورنا على والدي ووالدتي، وبخصوص الهجرة لم يكن الأمر مطروحا البتة، كما أن اتجاهاتي والتزاماتي السياسية فيما بعد أثرت عليهما بطريقة أو بأخرى، وفيما بعد وعبر محنة اعتقالي يمكنني أن أقول إنهم قد أعادوا اكتشاف عمق مغربيتهم.
- تحدثت عن التزامك السياسي، ومن هنا يمكن أن ندخل إلى هامش آخر من هذا الحوار والمرتبط بلقائك الأول بالسياسة واليسار خصوصا. متى تلمست الفكرة الماركسية الأولى؟
يمكنني أن أقول لك إن ذلك كان في سن المراهقة، فقد كنت أطالع كثيرا ومن بين الكتب التي أثرت في آنذاك "البيان الشيوعي" لكارل الماركس، الذي قرأته وعمري 15 سنة، ووجدت فيه هذا الطموح إلى المساواة بين الناس الذي تربيت عليه، واعتبرت آنذاك أن هذا مرجعا أساسيا، وعندما ذهبت كطالب إلى فرنسا كانت إحدى القضايا الحاسمة في مساري الفكري هي قضية المهدي بن بركة، حيث كنت أحضر المحاكمات التي تلت اغتيال الشهيد بن بركة في فرنسا سنة 1965، بعد ذلك جاءت حرب نوفمبر 1967 التي ساهمت كثيرا في تكويني السياسي وكنت أشارك في كل حركات التضامن والمساندة للشعب الفيتنامي ودائما على أسس العدالة والمساواة، ثم جاء تشي غيفارا الذي كان في ذلك الوقت رمزا للشباب، ومشاركتي في الإضرابات العمالية بفرنسا آنذاك وخصوصا مع عمال الميناء الذين كانوا يحتجون على الظروف السيئة التي يشتغلون فيها، ومباشرة بعد ذلك كانت حركة ماي 1968 والتي أعتبرها أكبر بكثير من مجرد حركة طلابية، بل هي حركة شعب بكامله يحاول بناء مجتمع آخر وعالم آخر.
- في هذه الفترة إلى أي حساسية يسارية كنت تميل أكثر؟
كنا معجبين بما يقوم به الفيتناميون، هؤلاء كانوا يستلهمون بطبيعة الحال من التجربة الصينية التي كانت تجذبنا بمحاولتها تغيير تلك التقاليد القديمة، وبالتالي فقد كان فكر "ماوتسي تونغ" هو الأقرب.
- متى ربطت التزاماتك الفكرية بالقضايا المغربية؟
بالتأكيد مع كل هذا الزخم الفكري والنضالي الذي كنت أعيشه في فرنسا كان المغرب دائما حاضرا في ذهني، وكذلك كنت دائم الارتباط بالطلبة المغاربة في فرنسا، وكنت أتردد باستمرار على "دار المغرب" في باريس، وأتذكر مشاركتي في تحركات نضالية عديدة منها بروز مجلة "مارس" التي تحيل إلى تاريخ مارس 1965، وأتذكر شيئا طريفا حدث لي مع الأستاذ محمد عزيز الحبابي الذي كان يلقي محاضرة اقتصادية بدار المغرب وتدخلت وطرحت عليه سؤالا محرجا نوعا ما وهو: "كيف الانعتاق؟" فرد قائلا: "عندما كنا نحن طلبة وطنيين كنا نطرح بديل الاستقلال، وأنتم الآن تطرحون أمورا ليس لدي الجواب عنها".
- بعد كل هذا قررت العودة إلى المغرب؟
بالضبط في نوفمبر 1968، وكلي قناعة بأنني سأستمر في ممارسة أفكاري في بلدي، ومباشرة بعد دخولي التحقت بحلقيات النقاش التي كانت تضم العديد من المناضلين القريبين من أفكاري، وكانت عبارة عن حلقيات صغيرة من الطلبة الذين يحاولون رسم خط عمل في إطار الأفكار التي منحتنا إياها بنادق الفيتناميين وبنادق الفلسطينيين، وكذلك الحركة الطلابية العالمية آنذاك، والحركة التي ظهرت مع اغتيال مارتن لوثر كينغ، في هذه الظروف بدأ التفكير في تشكيل حركة ماركسية في المغرب، فكانت هناك حلقة في الرباط فيها أنا وأحمد حرزني وآخرون، وحلقة في فاس كان فيها محمد حمامة وآخرون وحلقة في الدار البيضاء...
- فيما بعد ستتشكل 23 مارس، وسيخرج من سيخرج من حزب التحرر والاشتراكية وستبدأ الاعتقالات. هل تتذكر تاريخ 23 فبراير 1972 على الساعة الخامسة بعد الزوال؟
هي مجموعة صور لا يمكن أن أنساها ما حييت: في تلك العشية كنت مع الرفيق محمد المجدوبي نتناقش، وكنا نمر بسيارتي بمقربة منزلي وإذا بي أشاهد سيارة الدرك أمام باب المنزل فقلت له يجب أن أنزل لأطمئن على زوجتي وابنتي، هذه الأخيرة كانت تبلغ من العمر آنذاك 4 أشهر، وقلت له أيضا: اخرج أنت من السيارة وانتظرني فإن لم أرجع فمعنى هذا أنهم اعتقلوني، فدخلت البيت وإذا بدركي يوجه رشاشا إلى أسفل صدري، فسألني أحدهم إن كنت أنا هو فلان فقلت: "نعم" فقال لي: "هل تعرف أحمد حرزني؟" فنفيت، في تلك الأثناء بدؤوا يفتشون الدار، وإذا بهم يعثرون على نسخة من جريدة "صوت الكادح" التي كنت مسؤولا عن طبعها، فحملوني مباشرة إلى مقر الدرك الموجود في عين الذياب، وهو المتواجد حاليا أمام فندق سويسرا. أخذوني إلى المعتقل وابنتي لم تكمل شهرها الرابع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته   غدا أحمد راكز و السلفية و السلفيون المتورطون و أحداث 16 ماي راكز: هذه كواليس انقلاب الصخيرات  وسجون...