أسيدون: أغرقوني في الماء بمقر الدرك وعلقوني في "دار المقري" =2=
فؤاد مدنينشر في أخبار اليوم يوم 10 - 12 - 2009
رغم كل أشكال التعذيب تمكنا من أن نخفي عنهم أسماء رفاقنا
- ماذا حدث بعد أن أخذوك من بيتك ومن زوجتك ومن ابنتك الصغيرة؟
قبل أن يصلوا بي إلى مقر الدرك الموجود بعين الدياب، طافوا بي على عدد من المخافر.. وفي النهاية وجدت نفسي في الطابق الأرضي لمقر عين الدياب، فتم استنطاقي تحت التعذيب، بخنقي في الماء (يصمت للحظات) وكانوا يرددون نفس السؤال "من يطبع هذه الجريدة؟ من يطبع هذه الجريدة؟"، وفي النهاية قلت لهم: "أنا من يطبع هذه الجريدة وأنتم حمير لأنكم لم تروا في منزلي آلة الطبع"، وبطبيعة الحال لم يعجبهم هذا الكلام، وكان أحدهم يريد أن ينتقم مني بسبب ما قلته، ولكن كان هناك ضابط سام للدرك حاضر آنذاك فمنعه من القيام بأكثر مما قاموا به، فأرجعوني من جديد إلى المنزل وسلمت لهم آلة الطبع، فبالنسبة إليهم لم يكونوا يتصورون أن آلة طبع صغيرة يمكن أن تصدر جريدة (يضحك).
- وأين أمضيت أول ليلة اعتقال؟
أول ليلة اعتقال كانت بمقر آخر للدرك يوجد أمام مكتب الكهرباء بالدار البيضاء كانت فيه حراسة نظرية دقيقة (يصمت من جديد للحظات).. أحكي هذه التفاصيل لأنني أريد أن أقول (يصمت مجددا) إن أماكن التعذيب والاعتقال هي أماكن ظاهرة للعيان، وعندما نتجول في الدار البيضاء يمكن أن نمر بجانبها كل يوم دون أن نعلم أنها أماكن للتعذيب والاعتقال، وهذا المقر الذي عشت فيه الليلة الأولى لاعتقالي فأنا أمر بقربه كل يوم عندما أكون متجها صوب عملي، كما أنني عندما أزور عين الدياب من وقت لآخر فأنا أمر أمام أول مكان تم فيه تعذيبي.. وهذا يدفعني لأقول اليوم إنني لا يمكن أن أسلم بإفلات الجلادين من العقاب، بمعنى أنه ما دام هؤلاء الجلادون لم يتم الكشف عن أسمائهم وإدانتهم علانية فأنا أعتبر أن راحتي في مدينتي هي دائما مشوبة بعار وجود أماكن للتعذيب، ولا يمكن أن أقبل ذلك أبدا ما لم تتم إدانة الجلادين.. تنبغي إدانتهم (يردد العبارة مرتين ويصمت لحظة طويلة)..
- وماذا جرى في "دار المقري"؟
تم نقلي من الدار البيضاء إلى الرباط ومباشرة إلى دار المقري آنذاك "غبروني"، أو كما يقال في أدبيات حقوق الإنسان العالمية "إنكومينيكادو"، وبدأ التعذيب من جديد، وكان يبدأ دائما في الليل، يأتون ويوقظونك إن كنت غافيا أو نائما ويقودونك إلى غرفة التعذيب، ويبدؤون في الأسئلة تحت التعذيب محاولين إثبات علاقاتك بأشخاص آخرين، واتهمونا بحمل السلاح ولم يجدوا لدينا أي سلاح، وكنا نحن أولى المجموعات الماركسية التي قدمت إلى العدالة..
- قبل الحديث عن المحاكمة، احك لي تفاصيل التعذيب ب"دار المقري" وكم قضيت من الوقت في هذا المكان المشؤوم؟
قضيت في "دار المقري" ما يقارب ثلاثة أسابيع قبل أن يجبروا على عرضنا على المحكمة بسبب ارتفاع حدة احتجاجات الطلبة في الجامعات، وخلال الأسابيع الثلاثة كان "التعلاق"، بمعنى أنك تظل معلقا في السماء حتى تحس بأن ذراعيك ستنفصلان عن جسدك، وكانوا يضربوننا على باطن القدمين، وكانوا يغرقوننا في الماء ليشعروننا بأننا سنموت.. وهنا أريد أن أقول إنه من أهم الأمور التي استطعنا تحقيقها، رغم كل أشكال التعذيب هاته، هو أننا تمكنا من أن نخفي عنهم أسماء عدد من رفاقنا، واستطعنا أن نحمي بعض الأصدقاء من تجربة الاعتقال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق