"المقاومة سرية فلا بد أن يكون الموت علنا ..
في الثامن من فبراير 1983 توقف قلب كبير عن الابداع والعطاء النضالي: إنه الرفيق الشهيد منتصر البريبري الذي لم يتوقف سيف القمع عن مطاردته منذ 7 سنوات، إلا بعد أن لفظ أنفاسه بالدار البيضاء واحتضنه تراب مقبرة سلا يوم 12 أبريل لينظم إلى ضحايا القمع الفاشي المسلط على شعبنا وليأخذ مكانه على درب الشهادة.
عمره لم يتجاوز 27 عاما -ولد يوم 13 مارس 1956- عمر قصير لكنه هادر بأمواج النضال، مثقل بالمقاومة والصمود، فالشهيد لم يذق حلاوة الصبا وعذرية الشباب بل اعتنق مرارة النضال وارتوى بحنظل القمع مدافعا عن قضايا الجماهير والثورة حتى آخر نبض من حياته،
13 عاما من النضال اليومي، 7 سنوات من السرية والاغتراب داخل الوطن، مطاردة مستمرة من طرف النظام العميل، حكم بالسجن المؤبد غيابيا أثناء محاكمة يناير 1977...
معطيات بسيطة في كتابتها ولكن لا يعرف بقيمتها إلا من عايش الشهيد، لا يعرف خطورتها إلا العدو الذي ظل يطارده ويطارد كل صوت ديمقراطي ثوري.
لقد شق الشهيد منتصر الطريق باخلاص لا متناهي واصرار عظيم في أشد مراحل الإرهاب الأسود، وفي وقت لم يرفع فيه الرأس إلا المناضلون المخلصون من شعبنا وأمتنا العربية.
بدأ نشاطه منذ أوائل السبعينات في الجمعيات الثقافية، قبل انتمائه في سن مبكر لمجموعة "لنخدم الشعب" في سنة 1973، مكرسا حياته لأجل بلورة وتجسيد خط الجماهير، خط الثورة الشعبية المسلحة الهادفة لتقويض أسس ومؤسسات النظام القائم وبناء جمهورية ديمقراطية على أساس سيادة الشعب مدخلا للمجتمع الاشتراكي...
متشبعا بالمباديء الثورية، التصق بحركة الجماهير منذ بداية السبعينات مؤمنا بأن الإلتحام قضية حياة أو موت، فلم تلهه دراسته عن المساهمة في تحويل ثانوية النجد بسلا إلى قلعة متقدمة في إطار حركة التلاميذ، ولم ينسه كل هذا على التفتح على الكادحين والمسحوقين بدواوير سلا القصديرية الذين عرفوه إبنا مخلصا لهم ولقضيتهم... ورغم قمع وحصار السرية والاغتراب داخل الوطن -ابتداءا من أبريل 1976- فقد ظل منتصر نهرا متدفقا مساهما في ترسيخ الوعي الثوري وبلورة العديد من التجارب النضالية المهمة مواكبا النضالات الجماهيرية والعمالية... فكانت حياته القصيرة زمنيا عريضة وغنية من حيث العطاء. لقد كان الشهيد داعية ومنضبطا ومحرضا ديناميكيا ومعبئا ومنظما متخدا كقاعدة للتعامل المركزية-الديمقراطية والتسيير الجماعي والنقد والنقد الذاتي، فتحمل عدة مسؤوليات تنظيمية وسياسية، نذكر منها اسهاماته الكبيرة في إصدار نشرتي "لنخدم الشعب" و "الحقيقة للجماهير" قبل اعتقالات فبراير 1977، والتي نجا منها الشهيد حيث قفز من شرفة المنزل الذي اقتحمه رجال القمع...
نعم، لقد كان الشهيد منتصر من الذين واكبوا تطور الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، ولم تغب عنه يوما حقيقتين اساسيتين، الأولى أنه لا لقاء مع النظام الاستبدادي عميل الامبريالية إلا في ساحة الصراع، باستنهاض وتنظيم الجماهير لممارسة العنف الثوري بهدف تحقيق مطامحها واهدافها التاريخية... والثانية أنه يستحيل التخلي عن خدمة الجماهير والثورة، ولذلك ف"مع فهم الإطار العام لحركة التاريخ لا بد أن نستشف واقعنا الخصوصي الملموس، كيف نجيب عن الأسئلة المطروحة وطنيا وقوميا، كيف نبني الحزب الثوري المنشود؟ كيف نلتحم؟ كيف نبث الوعي الثوري ونضمن استقلالية التفكير والتنظيم والمبادرة لحركة الجماهير؟ كيف نتجاوز القمع الخ"، ولذلك أيضا كان الشهيد فلسطينيا حتى النخاع، كانت الثورة الفلسطينية قلبه النابض، أعطاها كل طاقاته وجهوده عاملا على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية يومية لدى الجماهير، باحثا عن تجسيد التلاحم العضوي والمساهمة المباشرة في الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني والإمبريالية.
يا أبناء أمتنا وشعبنا المخلصين، إنه من الصعب جداً أن نختزل حياة الشهيد النضالية في سطور أو نحصرها في كلمات، ولذلك نناشد كل ضمير حي وكل مناضل شريف وكل رفاق الدرب الشاق الطويل، للمساهمة في التعريف بالشهيد ونضاله وفضح الارهاب الأسود الذي ذهب ضحيته الشهيد والعديد من شهداء شعبنا.
رفيقنا منتصر، رفيقنا العظيم، لقد أخذت مكانك بجانب الزرقطوني وحمامة وبنبركة ودهكون وبنونة وزروال وبنجلون وسعيدة وݣرينةوجبيهة وغيرهم من العديد من الشهداء المجهولين، شهداء انتفاضتي 23 مارس 1965 و 20 يونيو 81 وحرب لبنان 82، وصبرا وشاتيلا وانتفاضة 1984... إنك لست الأول ويستحيل أن تكون الأخير، فالصراع مستمر ضد أعداء الشعب...
المجد والخلود للشهيد المنتصر.
المجد والخلود لكل شهداء شعبنا وأمتنا العربية.
الخزي والهزيمة لسفاكي دماء شعبنا وأمتنا."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق