الأحد، 7 فبراير 2021

اسيدون....عاشق فلسطين الذي لا يقاوم عشقه. *باهي عبد السلام*

 المعطي سيون اسيدون



عاشق فلسطين الذي لا يقاوم عشقه.
في أول مسيرة نظمتها الجبهة الإجتماعية بالدار البيضاء يوم 23 فبراير 2020 ، التقيت بالرفيق امين عبد الحميد. وكعادتي في مثل هذه اللحظات، تمسكت بالخطو إلى جانب امين . من اللحظات التي احبها في المسيرات وتريحني. أشارك في اجواء المسيرات. والتقي مع مجموعة من الرفاق من أمثال امين عبد الحميد . نتحدث على بعض الذكريات النضالية الجميلة المشتركة. التي تسمح لنا بأن نعرج على بعض الهموم والإنشغالات النضالية ثم نتكلم في مستجدات الظرفيات السياسية والإجتماعية. وفي مختلف الظرفيات الطارئة.
وبينما كنت إلى جانب امين عبد الحميد خلال لحظات من المسيرة . نشارك ونتحدث. إذا بالمعطي سيون اسيدون يمر من جانبنا. بدا منشغلا ولم ينتبه إلى حضورنا . مع انه من عادته انه لا يترك فرصة مثل هذه المسيرة تمر دون أن يجدد تواصله مع مجموعة من رفاقه القدامى.
بعد مروره بخطوات سريعة ، التفت إليه ، فوجدت المعطي ينظر في الصفوف التي أمامنا ، كأنه يبحث عن شيء ما في الافق . فابتسمت وقلت لأمين المعطي مشغول عنا بالبحث عن شيء ما . ولذلك لم ينتبه إلينا . اجابني امين بقوله المعطي في المسيرات دائما مشغول بحاجة مهمة . ستجده مشغولا بعلم فلسطين. ولا يهدأ له بال حتي يعلم عدد الرايات الفلسطينية والصفوف التي تتواجد بها في المسيرة. وقبل ان يصل إلى هذه النتيجة فهو في حكم العاشق الولهان .
قلت لأمين نعم.
المعطي سيون اسيدون هو المحب الذي يذكرنا دائما بفلسطين والفلسطينين والقضية الفلسطينية . هو ذاك الرفيق الذي يذكرنا بابراهام السرفاتي الذي ظل بدوره عاشقا لفلسطين والقضية الفلسطينة ومناضلا كبيرا ضد الصهيونية.
المعطي هو اسم مستعار اختاره سيون اسيدون أيام نضاله السري مع رفاق منظمة لنخدم الشعب في بداية سنوات السبعينيات من القرن 20.
و كلمة المعطي كما هي عبارة لنخدم الشعب لهما دلالات ونكهة شعبية . أنهما يعكسان انشغالا متاصلا لدى بعض المناضلين بحياة الشعب وبالقرب منها .
رفاق لنخدم الشعب ترجموا بهذا الاسم رغبتهم في إن يقولوا للناس بانهم يريدون ان يكونوا قريبين من الشعب وفي خدمته.
واختار سيون اسيدون اسمه المستعار المعطي ليقول بأنه أقرب إلى ما تمثله شخصية المعطي من رمزية في المجتمع المغربي . ومن خصائص اجتماعية وثقافية . وخاصة في البادية .
وكذا قيل منذ القدم
" وللناس فيما يعشقون مذاهب ".
المعطي عاشق فلسطين. وعاشق البساطة في حياة الناس في البادية المغربية. البساطة المغربية عند يهودها كما عند مسلميها. وعاشق الثورة. ومناهض الصهيونية والرأسمالية الأمبريالية العالمية.
المعطي سيون اسيدون من مناضلينا الذي يذكروننا ويحفظوا ذاكرتنا في جوانب كثيرة من النضالات المتعلقة بفلسطين المحتلة، وبالقضية الفلسطينية. ثلة من المناضلين يمثلوننا ويشرفوننا في وقوفهم المستمر في قضايا التضامن مع الشعب الفلسطيني ، وفي مبادرات دعم نضالاته ، ونصرة قضيته ، ومناهضة الصهيونية والتطبيع بمختلف أشكاله .
من الصعب أن تذكر الأسماء دون أن تعاني من زلة النسيان . وقد قيل ما سمي الإنسان إلا لنسيانه. وإن في النسيان لرحمة احيانا.
سأركب مغامرة ذكر اسماء ثلة من المناضلين. وهم مثال وجزء لا يجب الكل وصفوة المناضلين الكثر العاملين والمنشغلين بالقضية الفلسطينية بصدق .
ثلثة من المناضلين من السرفاتي إلى عبد الرحمان بن عمرو والرفيق محمد بنسعيد ايت ايدر . وعبد الله الحريف. ومصطفى مجيبي ، وايدار ازوكاي ، ومن سيون اسيدون المعطي إلى امين عبد الحميد.
وممن ودعونا خملي نورالدين ورؤوف فلاح وخبير عبدالله والفلاحي والفقيد دشيش عبد اللطيف وحبيبة الزاهي والمرحومة المتميزة فاما . وكذلك من لازالوا على قيد الحياة، ومنهم الرفيق لمروني الفاطمي . وخديجة الرياضي إلى عبد الرزاق الإدريسي، ومن نبيلة منيب واليوسفي عبد اللطيف ومحمد حمزة إلى ابراهمة مصطفى وسعاد ابراهمة. ومن محمد ويحمان إلى خالد السفياني ونجاة التيجي إلى سعيدة وعيد ولحسن الايوبي وازرياح عبد المجيد وزريكم عبد اللطيف وتوفيقي بلعيد ولحسن زندير . ومن عبد المجيد الراضي إلى محمد ابو النصر إلى الرفيق الإدريسي الحسين إلى الرفيق حيطان وعيطونا وسعيد ساهل نسيم الروح. وشاعرنا وفناننا صابر تكروين . والرفاق من عبد الهادي بلكرداس إلى محمد الوافي ، إلى محمد ابو العيش ، إلى محمد شرادو ، إلى محمد اقنوش ويوسف مزي ومحمد سموني وعبد السلام الشفشاوني . عمر اوبوهو وإبراهيم ريزقو ، وسعيد مصرور وعزيز الكرايدي. ومن غالي عزيز إلى الرفيقين الدريدي احمد والطاهر . ومن عمر و انتصار جبيهة إلى زهيرة مرابيط وأسماء الوديع وانيسة اكريش وسعيد بنحماني. وغيرهم من المناضلين والشرفاء في مختلف المدن والبقاع الذين يساندون نضالات الشعب الفلسطيني وقواه الحية والمناضلة ويناهضون الصهيونية وكل أشكال التطبيع وما بدلوا تبديلا .
عبد السلام الباهي..
**********************
المعطي سيون اسيدون رفيق السجن وتجربة الأكل النباتي
جمعني مع رفيقي وصديقي المعطي عدة محطات في مسار الحياة . ومسار نضالي مشترك . تعرفنا على طبائع بعضنا البعض في السجن المركزي بالقنيطرة .
المعطي اعتقل منذ سنة 1972. مع مجموعة أنيس بلافريج. وظل أسير الزنزان مع مجموعة من الرفاق المعتقلين في حي جيم بالسجن المركزي بالقنيطرة.
في المجموعة الأخرى مجموعة السرفاتي. بدأت اعتقالاتنا في نوفمبر 1974.
حوكمت المجموعة سنة 1977. فيما سمي محاكمة الدار البيضاء الكبرى .
كانت إجراءاتها رهيبة. وكانت محط تتبع مباشر من طرف عددة فرق أمنية وأجهزة استعلاماتية . ومنهم فريق الجلاد اليوسفي قدور . الذي بجبروته لم يخف استعماله لغرفة من غرف كهف المحكمة لاغراضه. وربط قاعة المحكمة بآلاته وتتبعه المباشر لجلساتها .
بعد المحاكمة التحقت المجموعة بدورها بالسجن المركزي بالقنيطرة . وفي حي الف بدأت مرحلة جديدة من حياتها في النضال والمعاناة والعمل.
بعد سنوات من النضال السجني. استطعنا نحن ورفاقنا في حي جيم من فك العزلة وتبادل بعض الزيارات. إلى انتهى الأمر بنقل رفاق حي جيم إلى حي الف. والإستفادة من بعض مكتسباتنا المشتركة. مثل فك العزلة وتنظيم الحياة السجنية المشتركة.
في حي ألف تعارفنا انا والرفيق المعطي سيون اسيدون بشكل مباشرة . قربتنا طباعنا . وتنمت علاقتنا . وأصبحت تتسم بنوع من الحميمية. شعورنا بالصدق والمحبة نمارسه اكثر مما نتحدث عنه . إلى درجة كنت أحضر معه بعض زياراته العائلية واشاركه فرحته فيها .
الأمهات هن عصب الزيارات العائلية في السجن. وبحكم غياب الام عندي منذ صغر سني . كنت من بين الرفاق قليلي الزيارات في السجن.
ظلت قيم النضال و المحبة والإحترام تجمعني مع المعطي أسيدون ومع رفاق آخرين .
ويقربنا نوع من الحميمية. سرعان ما نستعيدها مهما باعدت بيننا ظروف العمل وانشغالات الحياة فيما بعد .
في السجن المركزي . عانى المعتقلون السياسيون كل الوان المعاناة. وناضلوا. وتركوا ضحايا شهداء ومعطوبين . وحققوا مكتسبات. منها فك العزلة. وضمان فتح الزنازن والإستفادة من الشمس والفسحة الطويلة في الساحة . وتنظيم حياة مشتركة في الاكل والدراسة والكتب وغيرها من جوانب الحياة السجنية.
شكل المعتقلون فيما بينهم مجموعات . حسب الطباع والسجية والحميميات وحتى الحساسيات ومن يتقبل من .
أصبح لنا نظام أكل مشترك . خرانة وكتب. قاعة تلفزة جهزتها العائلات. وطابورييات للجلوس . والطابوري هو كرسي فردي صنعه السجناء من علبة نيدو واقمشة . يصلح للجلوس الفردي . إنه كرسي السجن الذي نسج حول السجناء قصصا وروايات .
الحياة السجنية ككل حياة . هي جزء من صراع عام وكبير في المجتمع . صراع الطبقات الإجتماعية الكبرى . الذي يؤطر باقي الصراعات ويؤثر فيها. بل هو قانونها الأساسي والإطار . الذي لا يمكن التنكر له او نكران نتائجه . إلا من باب أن السماء ليست فوقنا والأرض ليست تحت اقدامنا.
وباقي الصراعات الأخرى هي تدافع و تفاعل أخذ وجذب، تأثير وتأثر . جزئيات و يوميات . قد تكون لها متطلباتها الخاصة. وكذا قوانينها الفرعية.
التناقضات ليست على مستوى واحد .
وهي دائمة التحول والتطور.
والتناقض الرئيسي ليس ككل التناقضات الثانوية.
وها هي متطلبات السجن وتناقضاته الخاصة تفرض نفسها علينا وعلى عائلاتنا . تفرضها ظروف السجن وكل عوامل القمع والضغط والتدافع . ومن متطلبات الحياة السجنية ان تناضل على نسمة حرية ولو بين الجدران والإختناق . وأن تتبنى البريكولاج السجني اليومي . ولو لم تكن قد تدربت عليه من قبل . لان للحياة سننها وقوانينها . الزنزانة هي عالمك. والفسحة هي متنفسك. ورفاقك هم محيطك . والحراس والأبواب والجدران. كلها أشياء تذكرك بالسجن والسجان.
النظافة والنظام حياة ومطلب .
البريكولاج كان له أبطاله من مناضلينا . ولحسن حظنا . اننا لانبدو كمثقفين منعزلين عاجيين . كنا رفاقا ومناضلين. لهم تجارب في الحياة والميدان . ومنا مناضلون من أبناء الأحياء الشعبية العميقة. الذين تربوا في معمعان الكفاح اليومي الشعبي. اذكر منهم العزيز الميموني عبد العزيز الطونيو . صاحب القلب الكبير . ومحب الحياة الذي لا يهدأ. وهاوي أغنيات الحياة ورقصاتها . والعزيزين صبير لحسن وخليل بلقاسم القيفقاز . ومحمد الغريسي ابن الشعب العنيد . الذي لم ينس اصوله . والحرش الصديق ابو غسان المتميز بروحه العملية السلاوية المرحة وحركيته. وبنمالك الحبيب ابن سلا الذي سكنه حبها وحب سكانها . ويريد هو وعبد الله المسفيوي أن يجعلا من سلا القديمة سلا جديدة تسر الناظرين في كل شيء. والمرحوم عبد العالي اليزمي. والخطابي وفريد الحداد ورفيقي كرطاط الغازي الذي احمل صورته مع صورتي .
ولا انس ان اذكر الرفيق العظيم المحبوب مصطفى التمسمانى ذو الحضور المتميز واللياقة والمحبة في حياتنا السجنية. هو وأمثاله ممن قال عليهم الرفيق التيتي الحبيب عن حق. لولا هؤلاء الرفاق لكانت تجربة السجن علينا اكثر قساوة. بغنائياته ومحبته الصادقة التي تلتئم لها كل الجروح . شكل مصطفى التمسمانى معلمة من المحبة الرفاقية في حياتنا السجنية ، ومعه كل رفاق طنجة الأعزاء ، رفيقي وعزيزي حميد الازماني الذي دخل السجن شابا هو وأخي محمد فلوس كذلك . وفقيدنا بوقرطاس اصغرهم الذي أرخنا أنا وإياه لحلاقتنا السجنية الأولى " التصليعة " بصورة محبوبة ومؤثرة . وأخي ورفيقي محمد السريفي الروخو الذي دوخ معتقليه قبل أن يعتقلوه . وحكيم رفاق طنجة محمد اعزايبو.
وغيرهم من مناضلي الشمال من الريف إلى تطوان . ومن العرائش إلى القصر الكبير . ومن وجدة وكرسيف إلى تازة وبركان إلى الناظور والحسيمة وزايو ومدن الريف العزيزة .
وغير ها من مدن الشمال التي ظل مناضلوها مصابيح تنير سماء عتمتنا.
والقائمة طويلة. والرفاق متعددون. متعددون في الإنسانية وفي التكوين و المواهب.
بعد فك العزلة أصبح بإمكان كل رفيق ان يؤسس أو يساهم في تأسيس حلقة للاكل مع من يشاء من الرفاق.
يلتئم الرفيق مع الذين يجدهم الأقرب إليه في الذوق والحميمية.
بعض الرفاق ظلوا ينظمون اكلهم بشكل فردي. فيضمنون بذلك تعاطف باقي الرفاق.
جمعني الطبع والذوق والحميمية مع رفيقي المعطي سيون اسيدون. وشكلنا حلقة اكل نباتي . اجتمعنا حولها سنوات. واكتشفت مع المعطي عالم النباتيين وأشياء كثيرة . وكنا نقايض الحليب ومشتقاته والبيض بالمواد النباتية مع بعض الرفاق .
أما اللحوم والمواد الحيوانية التي نأخذها من السجن ، فنسلمها لبعض الرفاق . وكنت اخصص حصتي من اللحم للرفيق رشيد منير. لأنه كان يبدو لي أصغر سنا . وكنت اقول مع نفسي اللحم قد يفيده في التحمل اكثر مني.
أدعو له الآن بالشفاء.
واذكر أن من ذكرياتي معه.
" انه صنع من قطعة اللحم التي كنت اسلمها له نكتة ظل يحكيها لكل معارفنا المشتركين . منذ أن خرجنا من السجن ، وهو كلما التقينا ولو صدفة ، إلا و يطلب ممن قد يكون حاضرا معنا ، ان يدعو للرفيق الباهي عبد السلام بالخير . فيتساءل الحاضر عن مناسبة الدعاء وسببه . فيجيبه رشيد بروح البسط والسذاجة . يوم كنا في السجن كان يتبرع علي بحصته من اللحم التي توزع علينا في الزنازن .
حلقة الاكل النباتية مع اسيدون تعلمت فيها الكثير حول نظام الاكل النباتي. واحسست فعلا بفوائده التي تبدو بارزة على الصحة واللياقة البدنية والقدرات والمعنويات .
وهذه فائدة أخرى من فوائد الحياة التي جمعتني مع رفيقي المعطي سيون اسيدون.
22/01/2021
عبد السلام الباهي
يتبع
****************************
مع السيدة فيوري ومع السيد ماكس اسيدون
في المنزل كما في العمل
بعد خروجي من السجن . وبعد معاناتي مع متاعب العطالة المؤقتة وقلة ما في اليد . وعدم توفري على سكن مستقر .
عشت لفترة ما متنقلا في السكن ما بين بعض الرفاق والأصدقاء .
واذكر أن ممن تقبلني وسكنت معهم في هذه الفترة من حياتي ، خالتي لالة رقية ام الفقيد سي محمد الوفا ، والمرحومة اختي فريدة التي كانت تقطن في حي البرنوصي . وكانت ترعبها زيارات الحاج ثابت . وكانت تتوسلني هي زوجها وتطلب مني الذهاب لمقابلة الحاج ثابت حتى لا تتكرر زياراته المزعجة لهم . ولم تسترح المسكينة من رعبه ومن الخوف من إعادة اعتقالي ، إلا يوم فارقت الحياة و وتركت أطفالها صغارا . وسي محمد الخرفاوي الصديق المراكشي من رفاق زعيم الحركة الإتحادية الأصيلة ورئيس حكومتنا الوطنية اليتيمة مولاي عبد الله ابراهيم . وأصدقائي من عائلة الخراص الوطنية الطيبة . سيدي أحمد والدكتور عبد الجليل . وخاصة رفيقي وصديقي سي محمد الخراص الذي احبه واعزه . وصديقي الذي لن اوافيه حقه في العرفان مهما فعلت، رفيقي في المعاناة والمحن والصبر ، عبد الرزاق اومحاند ، الصامد مع اخته خديجة وأخيه إدريس اومحاند .
عبد الرزاق اومحاند رفيق الشهيد جبيهة رحال وامين سره في المهمات الصعبة ايام نضال السرية والمحن . وأيام مهمات الصعوبات والمخاطر الجمة في التواصل والتراسل مع السجن . أدعو لرفيقي عبد الرزاق اومحاند من قلبي الصادق بالشفاء العاجل . بعد كل المحن التي مرت عليه وعاني منها أشد المعاناة .
بعد التحاقي بمدينة الدار البيضاء ، في هذه الظروف العسيرة غير المستقرة والهوجاء ، المليئة بكل أشكال المعاناة والمتاعب . كانت الشرطة لازالت تراقبني ، وتبحث عني وتلاحقني ، أين ما حللت ورحلت.
حتى في أماكن العمل والتمرين .
وخاصة الفرق التابعة للحاج ثابت . التي كررت استدعائي للكوميسارية اكثر ممن مرة . قصد معرفة مكان إقامتي وسكني.
واذكر مرة أن الحاج ثابت كان قد احضر فريقا من اتباعه . جاء يحملهم في سيارة للشرطة. وحضر إلى مكتب الأستاذ عبد الله بورماني . حيث كنت لازلت اعمل آنذاك متمرنا بمكتبه .
وارعب الحاج ثابت كاتبة الأستاذ بورماني وزملاءها في المكتب . وتوعدها بالرجوع إذا لم تعلمني بضرورة الحضور إلى مكتبه في الكوميسارية في أقرب الآجال.
كما اذكر أنني زرت الحاج ثابت فعلا بعد ذلك اليوم في الكوميسارية بروشنوار . ولما رآني بادرني بالقول أين تسكن . قلت له اسكن مؤقتا مع اختي بالبرنوصي . قال لي زوج اختك يتبرأ منك . ولدينا تصريحات اخذناها منه يؤكد فيها أنك لا تقطن عندهم . ابحث لك عن سكن . ونحن نساعدك بالملفات . وحسن وضعيتك . قبل أن تبقى هكذا كالمشرد المشاغب . ونرجعك للسجن.
قلت له الملفات ممنوع علي استقطابها والحصول عليها بطرق غير مشروعة. وأنتم تعلمون ذلك . والسجن إذا قدر علي أن ارجع إليه فأهلا وسهلا به . تشاءم الحاج ثابت من ردي . وختم الكلام . وقال لي . نحن تكلمنا . وانت فهمت . فاختر أي الطريقين الذي تريد؟
وفي الباب أخبرني حارس الشرطة ان علي أن ارجع لسحب بطاقتي فيما بعد . وبقيت اتردد على كوميسارية الحاج ثابت اكثر من 10 ايام قبل أن استرجع البطاقة الوطنية . فعدت للبحث عن السكن وعن مكتب جديد للتمرين . لأن زيارة الحاج ثابت المفاجئة بسيارة الشرطة لمكتب الإستاذ عبد الله بورماني ، جعلتني في وضعية غير مريحة . بل حرجة . وأصبحت أشعر بأن وجودي في المكتب قد يكون مدعاة لمضايقات جديدة ؟؟؟
تنقلت هكذا بين عدة مكاتب للتمرين . وشرعت في إجراءات التمرين بصعوباتها .
والإلتحاق بصفوف مهنة المحاماة في الدار البيضاء بالنسبة لي لم يكن سهلا .
لكن المرحوم الأستاذ محمد الصبري المناضل الشريف وابن الحركة الإتحادية الاصلية ، كان ممن ساندوني ماديا ومعنويا . فلن انساه ولن انس مساندته لي ما حييت .
لذكراك صديقي العزيز ، وفقيدي الأستاذ محمد الصبري كل التحية . ولترقد روحك في سلام وطمأنينة.
وكذلك زميلي المروحوم الأستاذ نبيل محمد الطاهر الرجل البسيط الطيب الودود . والمرحوم الأستاذ الحلوي . والأستاذ احمد فاضل اخي الذي لم تلده لي أمي. الذي كسبت صداقته وصداقة أسرته الفاضلة وأبنائه . خاصة ابنه الشاب سلطان فاضل.
في هذه الأثناء كان المعطي قد رحب بي للسكن معه في سكناه . وعشنا معا حياة الرفقة والصداقة . تحت نفس السقف. وبنفس النظام الغذائي البسيط المشترك . ومن اهم لحظاتنا ان نزور عائلة المعطي سيون اسيدون . عائلة السيدة فيوري و السيد ماكس اسيدون ، من حين لآخر ، في منزلهما القريب من عملها ، بزنقة خريبكة بالدار البيضاء .
زيارات ترحب بها على الخصوص والدة المعطي السيدة فيوري.
السيدة فيوري امرأة طيبة. أنيقة ملتزمة بأسرتها وعملها. مقيمة في الدار البيضاء. ولكنها لا تنس أصولها وثقافة اهلها الآتية من مدينة الصويرة . تحملت مع زوجها وأبنائها كل محن الحياة . خاصة منذ زلزال أكادير الذي اضطر الوالد وأسرته إلى الهجرة من اكادير إلى الدار البيضاء. ثم بداية مشواره العملي الجديد وتجارته.
السيدة فيوري عرفناها أما من أمهات المعتقلين السياسيين. من الأمهات المناضلات قولا و فعلا . تعمل بصمت وتحمل . دائمة الزيارة لابنها. وفي كل الزيارات كانت تحرص على المعنويات الجيدة للجميع . وكانت تبدو دائما إيجابية. مع المعتقلين السياسيين ومع العائلات ومبادراتهم .
كثيرة هي الأشياء الإيجابية غير الظاهرة التي ظلت تساهم بها السيدة فيوري في حياتنا كمعتقلين سياسيين .
وكثيرة هي الأشياء التي كانت تساهم بها مع الأمهات. خاصة المسنات . للحد من عنائهن ومحنهن .
إنها سيدة فاضلة حقا.
تعرفت عليها منذ السجن.
وعلمت انها هي التي لعبت دورا أساسيا ومحوريا في تجهيز القاعة الجماعية التي حصلنا عليها في حي الف.
الكراسي التي ظل يستفيد منها المعتقلون السياسيون هي من أحضرتها . وقد تركناها لرفاقنا بعد خروجنا . وهم تركوها لسجناء الحق العام . ليستفيدوا منها بعدنا. وربما بعدهم آخرون .
أفادنا الفضلاء فاستفدنا. واستفاد غيرنا من أبناء شعبنا . وهكذا دواليك .
وبعد السجن أسعدني أنني زدت تعرفا على السيدة فيوري. كأم للمعتقل السياسي رفيقي المعطي سيون اسيدون.
كانت ترحب بي كلما اتيحت لي فرصة زيارتها في عملها أو منزلها رفقة ابنها . كانت تفرح حقا. وتريد أن تعبر عن فرحتها بأن تقدم لنا أحسن ما لديها من أكل أو شرب أوهدية ولو كانت بسيطة .
كانت حياتها المنزلية بسيطة ومنظمة. كما هو الحال في مكتبها ومكان عملها. ولكنها انيقة في كل شيء . في العمل المكتبي كما في العمل المنزلي .
ومليكة السيدة التي تشتغل مع السيدة فيوري في منزلها . هي بدورها امرأة طيبة فاضلة. تجالسنا كواحدة من العائلة . ولا شيء يشعرها بغير جو العائلة. ولا شيء يوحي لنا بأنها خادمة.
ومثل السيدة فيوري كانت تفرح لزيارتنا. وخاصة زيارة المعطي سيون اسيدون الذي كانت تشعر بعنايته الإنسانية الفائقة .
في العمل بزنقة خريبكة . تعرفت على السيد ماكس اسيدون . في مكان عمله هو كذلك أناقة وبساطة. رجل عملي . يتكلم ويفيد . ولكنه يحب عمله اكثر . ومنخرط ومنضبط فيه بقوة. ويعطي حسن المثال لمستخدميه.
جاء من قلب سوس. من مدينة أكادير. حيث نجا هو وأسرته من الزلزال. لكن تجارته في الدراجات النارية تعرضت للضرر بعد الزلزال .
وفي الدار البيضاء أعاد بناء تجارته. وبعمله الدائب . وبعزيمته وانضباطه ، استطاع ان يعيد الإنطلاق . ويمارس مفهومه الخاص الإنساني والبشري والإقتصادي والإجتماعي لنموذج التنمية.
كلما زرته في مكتبه إلا وقضينا معا لحظات جميلة . قد تكون قصيرة ، ولكنها ممتعة. مع كأس قهوة او كأس شاي ، يدعو أحد المقربين إلى إعداده إلي إذا رغبت فيه.
بعض المرات يدعوني لتناول طعام الغذاء معه بمنزله . نذهب سويا مشيا على الأقدام ، ونتحدث في كثير من شؤون الدنيا وتجارب الحياة .
السيد ماكس اسيدون طاقة مشتغلة رغم كبر سنه . قدوة في العمل. يحب عمله. في وقت الذهاب للعمل كما في وقت الرجوع إليه ، نشيط ومنضبط . ولا يحب ضياع الوقت.
ذات يوم دعاني لتناول طعام الغداء معه. استجبت . وعلى الفور انطلقنا مشيا على الأقدام نحو منزله ، الذي لا يبعد عن مقر عمله .
وفي الطريق لاحظ بأن مصالح جماعة الدار البيضاء ، كانت قد قامت للتو بتزفيت جزئي لإحدى ازقة درب عمر قرب عمله . وبدت له حفرة قادوس مفتوحة ، بدون اي احتياط .
كانت تبدو عليها كل ملامح الخطر . خاصة إذا سقط فيها طفل او امرأة . الناس يمرون ذهابا وإيابا . يلاحظون الخطر . يتأسفون ويمرون. ولكن السيد ماكس اسيدون انزعج من المنظر وتخوف . وعبر على قلقه صراحة. وقال علينا عمل شيء ما . أيدته في فكرته . وقلت له يمكن أن نجري اتصالات أولية على الاقل . لعلها تفيد في تحرك المسؤولين وفعل اي شيء مفيد . صمت لحظة . ومشينا . وما إن وصلنا إلى منزله حتى بادر بتخفيف بعض ملابسه. وقبل ان تهيئ زوجته مادام فيوري وجبة الغذاء. كان هو قد انهمك في كتابة رسالة إلى عامل مدينة الدار البيضاء . اخبره فيها بما رأى . وطالبه بالتدخل العاجل درءا لكل المخاطر .
رجعنا إلى مكتب السيد ماكس بعد الغذاء والقهوة . وقال إنني أنتظر جواب العامل. وإذا لم يتصل بي سأتصل به.
وايقنت ان الوطنية قناعة. وحب الوطن والمواطنين ليس كلاما . بل هو عمل مستمر . والتزام أدبي ومعنوي وعملي في الحياة اليومية . وأن المساهمة في بناء الوطن هي روح خلاقة ودوافع متنامية ومبادرات إيجابية .
وهذا وجه آخر مشرق من الروح الإنسانية الإيجابية ، ومن روح الوطنية البناءة ، و الروح النضالية العالية ، التي تعلمتها من السيدة فيوري أطال الله في عمرها ومتعها بالصحة والسلامة . ومن السيد ماكس اسيدون الذي له مني كل دعوات الخير والرحمة.
ولترقد روحه في سلام ابدي .
23/ 01 /2021
عبد السلام الباهي
**********************
مع المعطي سيون اسيدون في ضيافة فقيه تسركات
إنها بلدة تسركات
بلدتي وبلدة والدي وذويه .
احبك ياموئل عواطفي ووجداني .
رغم ان الظروف فرضت على والدي الهجرة المبكرة .
وفي الهجرة رحلة.
سيان رحلة الحياة أوهجرة العمل.
هما معا تتحدثان . كما تحدث ناظم حكمت.
"عن الرجل الذي يمشي"
عنك ابي الذي تمشي
الذي غرس في وجداني حب البلد وحب تسركات .
وأنت ياتسركات.
ياابنة منطقة زاكورة.
ياطفلة أينعت بحب الأصول.
يرجع بي الشوق إلى الآباء .
وإلى فقيه وعلامة تسركات .
علي بن يوسف الدرعي . شيخ الناصريين وموحد التسركاتيين. وصديق الدلائيين . في القرن 17 الميلادي ، يوم كان نور تسركات يشع على زاوية تامكروت.
وزاوية تامكروت هي الام الولود
للزاوية الناصرية بالجنوب .
والدي السيد عبدالله بن علي بن عبد العزيز التسركاتي .
المسمى قيد حياته عبد الله الباهي .
ومنه اخذت انا واخوتي اسمنا الباهي .
ابي من أصول فلاحية من جنان وسواقي تسركات . ولكن ظروف الحياة وطموحات الشباب فرضت عليه أن يحول وجهته صوب التجارة مع منتصف القرن 20 .
خرج يطلب متسعا من العيش.
وتسركات تودعه وتطل عليه من بين أغصان واحة النخيل الغناء بترناتة . وسط جنان النخيل . وأشجار تفوح بالرياحين .
اليوم كل شيء في تبدل وتحول.
في وادي درعة ماء قليل.
يجري على مهل . تلفحه حرارة شمس حارقة ، ويمتصه ريح الشوق الذي يوسع مساحات الجفاف .
وتطل تسركات من بعيد على جبل زاكور . أو ووازكور . أو على الجنوب الصحراوي الذي كتب عنه الفرنسي جاك مونييه منذ سنوات. بما تبعد به عن زاكورة من كيلوميترات . وتطل على الطريق الوطنية الرابطة بين زاكورة وتنزولين واكدز . وفي احدى كدياتها يوجد ما يسمى
" قصر النصارى" او قصر البرتغال ". الذي قد يخفي قصة او قصصا من فترات الإستعمار .
في تسركات الطبيعة والجو مختلطان . جو شبه صحراوي جاف قاري وحار في الصيف. وبارد في الشتاء . لا يخلو من شح طبيعي وجفاف . وسماء مشمسة في اغلب اوقات السنة . وقفار و كتبان رملية زاحفة . قساوة وشدة في الطبيعة . شظف عيش . بساطة وتقشف.
والناس بين هذا وذاك .
الدور والقصور والقصبات والاسوار . ظلت تلك هي أنماط بنائهم المعماري وحياتهم الإجتماعية.
ونظام الري التقليدي الذي لازال له مفعوله .
تسركات هي المجال العقاري الجماعي للجماعة. يصل مجالها حوالي 700 هكتار . حصنه الأجداد وناضلوا بكفاحيتهم من اجل حمايته والحفاظ عليه .
قبل أن يتهدده المخزن والرأسمال الزاحف على بطنه كما على ظهره .
وكان الفضل للمجموعات الأولي من الرجال والأسر من أمثال اليزيدي واليوسفي وبوتدغارت والباهي والقبابي واليعلاوي والرمزي والعربي والزمزمي والجعفري والجناني والمنصوري ومسكين والحليمي وايت باباها والكروري وآيت بركة والشدعي وميمي والسدراوي والصالحي و الأنصاري ولحسن يدر والطالب وحنيني وعنايا والحداد وغيرهم كثير. ممن واكبوا او تقدموا للسلطة الوصية على الجماعات السلالية وطلبوا تحديد مجالهم العقاري وتحفيظه. كان ذلك منذ زمان. حس الناس ووعي ساكنة تسركات وآبائها وبناتها وأبنائها حي منذ الأزل .
تسركات هي ساكنتها وشبابها . هي جماعتها السلالية. هي ذوو حقوقها . هي جماعة نوابها . هي وكيل اراضيها . هي جماعتها الترابية ترناتة . وهي قيادتها وإداريوها الحرصون على حقوق ومصالح سكانها .
من ابناء تسركات هناك فلاحون وعمال وطلبة وتلاميذ ومدرسون واطباء وصحفيون وحقوقيون ومهندسون ومحامون وتقنيون وموظفون وتجار وفقهاء وحرفيون يشرفون بلدهم وآباءهم واسرهم .
هم من أبناء المغرب العميق . وطريقهم نحو التعلم والمعرفة والثقافة و الغرب والشرق والشمال والجنوب والعالم لم يكن سهلا . إن لم يكن محفوفا بكثير من التوجسات والمخاوف والمتاعب والتحفظات وحتى المخاطر .
في منتصف التسعينيات من القرن 20 قررت انا ورفيقي المعطي سيون اسيدون ان نزور تسركات.
ومن البيضاء عبر مراكش انطلقت رحلتنا.
عبرنا الأطلس وممر تيشكا الصعب بسلام . والمعطي سائق متمكن . يجعلك تشعر بالإطمئان إلى سياقته.
وبعد توفليحت وتزليظة وتدارت ها نحن نطل على تيشكا وتلوات . ثم وارززات عبر إغرم نوكدال . ثم امرزكان وايميني .
آه يا ايمني. يا قلعة المنجميين الصامدة . سأحكي ذات يوم عن خيمة صمود عمالك التي زرتها يوم عيد الأضحى .
وسأحكي كيف تختلط نكهة الصمود بفرحة عيد البسطاء .
بعد فسحة وارززات ومحيطها ومداراتها ، اتجهنا صوب جبل ايت ساون . ثم مدينة اكدز الصغيرة بمساحتها الكبيرة بتاريخها المليء بالأحداث . ثم القصبات واحدة تلو الأخرى. من اوريكة إلى تنزولين وأولاد مساعد وأولاد امقدم وأولاد الوشاح . ثم ترناتة وتسركات.
وقفنا لحظات أمام الواحة.
و استقبلنا الشباب من الاهل والأقارب من تسركات .
و سرعان ما اندمجنا في العائلة. عائلة عمتي المرحومة لالة خديجة اليعلاوي بنت علي الباهي .
كانت فرحة لالة خديجة وابنائها وأهل زوجها وكل الأقارب والاطفال والأصدقاء لا تقدر . وكانت فرحتنا تزداد اكثر بفرحتهم وحبهم.
تناولنا التمر وشربنا اللبن. وأكلنا البسيط من الطعام وفرحنا .
والشاي هو زاد الكلام عند أهل الجنوب . يعد في كل لحظة وحين. تعبيرا عن الفرح والمحبة.
كان من بين من يحضر جلساتنا فقيه القرية سي محمد اليعلاوي رحمه الله.
لم يكن هو الفقيه الرسمي للبلدة .
فالمسجد له إمامه ومؤذنه .
ولكن سي محمد اليعلاوي هو الرجل البسيط . والفقيه المرجعي المحبوب لدى اهل القرية . حافظ للقرآن . ومنكب على كتب الفقه .
تتميز فتاواه باليسر.
وفي سلوكه رحمة وتواضع. لا يكره أحدا.
بعد حين بدأت مع المعطي نتآلف مع فقيه القرية. نتحدث ونبسط .
وكذلك كان أمرا ميسورا .
وفي كل مرة يطلب المعطي من الفقيه معلومة او مقولة. فلا يبخل علينا بمعارفه.
تنبه المعطي سيون اسيدون إلى تميز فقيه قرية تسركات . ولاحظ انه غير فضولي. وأنه بسيط في منطقه ومسلكه. وأنه لايدعي العلم . ولا يعنف الناس باللفظ او غير اللفظ . ولايتكلم إلا على قدر السؤال . ولا يأكل إلا بسيطا. ولا يأكل كثيرا . ولا يكثر من نقد الآخرين . وأنه يدعو للجميع بالهداية .
بل عجب أن راه في لحظة ما ، يمد يده بالاكل لحماره ، كما يمدها بالطعام لابنه. حفنة من الشعير يتناولها الحمار من يد الفقيه الجالس في صبر واناة . بينما الطفل يتناول ما باليد الأخرى .
وكان من أهل الفقيه من كان يردد متفكها ما اسعد هذا الحمار الذي يعيش في كنف الفقيه .
اطمأن فقيه قرية تسركات لوجود المعطي سيون اسيدون مع أبناء البلدة .
ومنذ تلك الزيارة احب المعطي سيون اسيدون فقيه تسركات سي محمد اليعلاوي رحمه الله. وظل يسألني عنه.
ويوم علم مني بوفاته لم يخف حزنه وألمه . وتأسف لعدم تمكنه من رؤيته مرة أخرى والسلام عليه . ودعونا له جميعا بالرحمة والمغفرة .
وظل المعطي سيون اسيدون هكذا يسألني عن تسركات ، وعن اهلها وفقيهها وجنانها ، كلما جمعتنا الظروف وتحدثنا عن ذكرياتنا .
عبد السلام الباهي
24/ 01 /2021
المعطي سيون اسيدون رفيق السجن وتجربة الأكل النباتي
جمعني مع رفيقي وصديقي المعطي عدة محطات في مسار الحياة . ومسار نضالي مشترك . تعرفنا على طبائع بعضنا البعض في السجن المركزي بالقنيطرة .
المعطي اعتقل منذ سنة 1972. مع مجموعة أنيس بلافريج. وظل أسير الزنزان مع مجموعة من الرفاق المعتقلين في حي جيم بالسجن المركزي بالقنيطرة.
في المجموعة الأخرى مجموعة السرفاتي. بدأت اعتقالاتنا في نوفمبر 1974.
حوكمت المجموعة سنة 1977. فيما سمي محاكمة الدار البيضاء الكبرى .
كانت إجراءاتها رهيبة. وكانت محط تتبع مباشر من طرف عددة فرق أمنية وأجهزة استعلاماتية . ومنهم فريق الجلاد اليوسفي قدور . الذي بجبروته لم يخف استعماله لغرفة من غرف كهف المحكمة لاغراضه. وربط قاعة المحكمة بآلاته وتتبعه المباشر لجلساتها .
بعد المحاكمة التحقت المجموعة بدورها بالسجن المركزي بالقنيطرة . وفي حي الف بدأت مرحلة جديدة من حياتها في النضال والمعاناة والعمل.
بعد سنوات من النضال السجني. استطعنا نحن ورفاقنا في حي جيم من فك العزلة وتبادل بعض الزيارات. إلى انتهى الأمر بنقل رفاق حي جيم إلى حي الف. والإستفادة من بعض مكتسباتنا المشتركة. مثل فك العزلة وتنظيم الحياة السجنية المشتركة.
في حي ألف تعارفنا انا والرفيق المعطي سيون اسيدون بشكل مباشرة . قربتنا طباعنا . وتنمت علاقتنا . وأصبحت تتسم بنوع من الحميمية. شعورنا بالصدق والمحبة نمارسه اكثر مما نتحدث عنه . إلى درجة كنت أحضر معه بعض زياراته العائلية واشاركه فرحته فيها .
الأمهات هن عصب الزيارات العائلية في السجن. وبحكم غياب الام عندي منذ صغر سني . كنت من بين الرفاق قليلي الزيارات في السجن.
ظلت قيم النضال و المحبة والإحترام تجمعني مع المعطي أسيدون ومع رفاق آخرين .
ويقربنا نوع من الحميمية. سرعان ما نستعيدها مهما باعدت بيننا ظروف العمل وانشغالات الحياة فيما بعد .
في السجن المركزي . عانى المعتقلون السياسيون كل الوان المعاناة. وناضلوا. وتركوا ضحايا شهداء ومعطوبين . وحققوا مكتسبات. منها فك العزلة. وضمان فتح الزنازن والإستفادة من الشمس والفسحة الطويلة في الساحة . وتنظيم حياة مشتركة في الاكل والدراسة والكتب وغيرها من جوانب الحياة السجنية.
شكل المعتقلون فيما بينهم مجموعات . حسب الطباع والسجية والحميميات وحتى الحساسيات ومن يتقبل من .
أصبح لنا نظام أكل مشترك . خرانة وكتب. قاعة تلفزة جهزتها العائلات. وطابورييات للجلوس . والطابوري هو كرسي فردي صنعه السجناء من علبة نيدو واقمشة . يصلح للجلوس الفردي . إنه كرسي السجن الذي نسج حول السجناء قصصا وروايات .
الحياة السجنية ككل حياة . هي جزء من صراع عام وكبير في المجتمع . صراع الطبقات الإجتماعية الكبرى . الذي يؤطر باقي الصراعات ويؤثر فيها. بل هو قانونها الأساسي والإطار . الذي لا يمكن التنكر له او نكران نتائجه . إلا من باب أن السماء ليست فوقنا والأرض ليست تحت اقدامنا.
وباقي الصراعات الأخرى هي تدافع و تفاعل أخذ وجذب، تأثير وتأثر . جزئيات و يوميات . قد تكون لها متطلباتها الخاصة. وكذا قوانينها الفرعية.
التناقضات ليست على مستوى واحد .
وهي دائمة التحول والتطور.
والتناقض الرئيسي ليس ككل التناقضات الثانوية.
وها هي متطلبات السجن وتناقضاته الخاصة تفرض نفسها علينا وعلى عائلاتنا . تفرضها ظروف السجن وكل عوامل القمع والضغط والتدافع . ومن متطلبات الحياة السجنية ان تناضل على نسمة حرية ولو بين الجدران والإختناق . وأن تتبنى البريكولاج السجني اليومي . ولو لم تكن قد تدربت عليه من قبل . لان للحياة سننها وقوانينها . الزنزانة هي عالمك. والفسحة هي متنفسك. ورفاقك هم محيطك . والحراس والأبواب والجدران. كلها أشياء تذكرك بالسجن والسجان.
النظافة والنظام حياة ومطلب .
البريكولاج كان له أبطاله من مناضلينا . ولحسن حظنا . اننا لانبدو كمثقفين منعزلين عاجيين . كنا رفاقا ومناضلين. لهم تجارب في الحياة والميدان . ومنا مناضلون من أبناء الأحياء الشعبية العميقة. الذين تربوا في معمعان الكفاح اليومي الشعبي. اذكر منهم العزيز الميموني عبد العزيز الطونيو . صاحب القلب الكبير . ومحب الحياة الذي لا يهدأ. وهاوي أغنيات الحياة ورقصاتها . والعزيزين صبير لحسن وخليل بلقاسم القيفقاز . ومحمد الغريسي ابن الشعب العنيد . الذي لم ينس اصوله . والحرش الصديق ابو غسان المتميز بروحه العملية السلاوية المرحة وحركيته. وبنمالك الحبيب ابن سلا الذي سكنه حبها وحب سكانها . ويريد هو وعبد الله المسفيوي أن يجعلا من سلا القديمة سلا جديدة تسر الناظرين في كل شيء. والمرحوم عبد العالي اليزمي. والخطابي وفريد الحداد ورفيقي كرطاط الغازي الذي احمل صورته مع صورتي .
ولا انس ان اذكر الرفيق العظيم المحبوب مصطفى التمسمانى ذو الحضور المتميز واللياقة والمحبة في حياتنا السجنية. هو وأمثاله ممن قال عليهم الرفيق التيتي الحبيب عن حق. لولا هؤلاء الرفاق لكانت تجربة السجن علينا اكثر قساوة. بغنائياته ومحبته الصادقة التي تلتئم لها كل الجروح . شكل مصطفى التمسمانى معلمة من المحبة الرفاقية في حياتنا السجنية ، ومعه كل رفاق طنجة الأعزاء ، رفيقي وعزيزي حميد الازماني الذي دخل السجن شابا هو وأخي محمد فلوس كذلك . وفقيدنا بوقرطاس اصغرهم الذي أرخنا أنا وإياه لحلاقتنا السجنية الأولى " التصليعة " بصورة محبوبة ومؤثرة . وأخي ورفيقي محمد السريفي الروخو الذي دوخ معتقليه قبل أن يعتقلوه . وحكيم رفاق طنجة محمد اعزايبو.
وغيرهم من مناضلي الشمال من الريف إلى تطوان . ومن العرائش إلى القصر الكبير . ومن وجدة وكرسيف إلى تازة وبركان إلى الناظور والحسيمة وزايو ومدن الريف العزيزة .
وغير ها من مدن الشمال التي ظل مناضلوها مصابيح تنير سماء عتمتنا.
والقائمة طويلة. والرفاق متعددون. متعددون في الإنسانية وفي التكوين و المواهب.
بعد فك العزلة أصبح بإمكان كل رفيق ان يؤسس أو يساهم في تأسيس حلقة للاكل مع من يشاء من الرفاق.
يلتئم الرفيق مع الذين يجدهم الأقرب إليه في الذوق والحميمية.
بعض الرفاق ظلوا ينظمون اكلهم بشكل فردي. فيضمنون بذلك تعاطف باقي الرفاق.
جمعني الطبع والذوق والحميمية مع رفيقي المعطي سيون اسيدون. وشكلنا حلقة اكل نباتي . اجتمعنا حولها سنوات. واكتشفت مع المعطي عالم النباتيين وأشياء كثيرة . وكنا نقايض الحليب ومشتقاته والبيض بالمواد النباتية مع بعض الرفاق .
أما اللحوم والمواد الحيوانية التي نأخذها من السجن ، فنسلمها لبعض الرفاق . وكنت اخصص حصتي من اللحم للرفيق رشيد منير. لأنه كان يبدو لي أصغر سنا . وكنت اقول مع نفسي اللحم قد يفيده في التحمل اكثر مني.
أدعو له الآن بالشفاء.
واذكر أن من ذكرياتي معه.
" انه صنع من قطعة اللحم التي كنت اسلمها له نكتة ظل يحكيها لكل معارفنا المشتركين . منذ أن خرجنا من السجن ، وهو كلما التقينا ولو صدفة ، إلا و يطلب ممن قد يكون حاضرا معنا ، ان يدعو للرفيق الباهي عبد السلام بالخير . فيتساءل الحاضر عن مناسبة الدعاء وسببه . فيجيبه رشيد بروح البسط والسذاجة . يوم كنا في السجن كان يتبرع علي بحصته من اللحم التي توزع علينا في الزنازن .
حلقة الاكل النباتية مع اسيدون تعلمت فيها الكثير حول نظام الاكل النباتي. واحسست فعلا بفوائده التي تبدو بارزة على الصحة واللياقة البدنية والقدرات والمعنويات .
وهذه فائدة أخرى من فوائد الحياة التي جمعتني مع رفيقي المعطي سيون اسيدون.
22/01/2021
عبد السلام الباهي
يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته   غدا أحمد راكز و السلفية و السلفيون المتورطون و أحداث 16 ماي راكز: هذه كواليس انقلاب الصخيرات  وسجون...