الأحد، 7 فبراير 2021

ذكرى استشهاد الرفيق منتصر البريبري

 "المقاومة سرية فلا بد أن يكون الموت علنا ..

في الثامن من فبراير 1983 توقف قلب كبير عن الابداع والعطاء النضالي: إنه الرفيق الشهيد منتصر البريبري الذي لم يتوقف سيف القمع عن مطاردته منذ 7 سنوات، إلا بعد أن لفظ أنفاسه بالدار البيضاء واحتضنه تراب مقبرة سلا يوم 12 أبريل لينظم إلى ضحايا القمع الفاشي المسلط على شعبنا وليأخذ مكانه على درب الشهادة.
عمره لم يتجاوز 27 عاما -ولد يوم 13 مارس 1956- عمر قصير لكنه هادر بأمواج النضال، مثقل بالمقاومة والصمود، فالشهيد لم يذق حلاوة الصبا وعذرية الشباب بل اعتنق مرارة النضال وارتوى بحنظل القمع مدافعا عن قضايا الجماهير والثورة حتى آخر نبض من حياته،
13 عاما من النضال اليومي، 7 سنوات من السرية والاغتراب داخل الوطن، مطاردة مستمرة من طرف النظام العميل، حكم بالسجن المؤبد غيابيا أثناء محاكمة يناير 1977...
معطيات بسيطة في كتابتها ولكن لا يعرف بقيمتها إلا من عايش الشهيد، لا يعرف خطورتها إلا العدو الذي ظل يطارده ويطارد كل صوت ديمقراطي ثوري.
لقد شق الشهيد منتصر الطريق باخلاص لا متناهي واصرار عظيم في أشد مراحل الإرهاب الأسود، وفي وقت لم يرفع فيه الرأس إلا المناضلون المخلصون من شعبنا وأمتنا العربية.
بدأ نشاطه منذ أوائل السبعينات في الجمعيات الثقافية، قبل انتمائه في سن مبكر لمجموعة "لنخدم الشعب" في سنة 1973، مكرسا حياته لأجل بلورة وتجسيد خط الجماهير، خط الثورة الشعبية المسلحة الهادفة لتقويض أسس ومؤسسات النظام القائم وبناء جمهورية ديمقراطية على أساس سيادة الشعب مدخلا للمجتمع الاشتراكي...
متشبعا بالمباديء الثورية، التصق بحركة الجماهير منذ بداية السبعينات مؤمنا بأن الإلتحام قضية حياة أو موت، فلم تلهه دراسته عن المساهمة في تحويل ثانوية النجد بسلا إلى قلعة متقدمة في إطار حركة التلاميذ، ولم ينسه كل هذا على التفتح على الكادحين والمسحوقين بدواوير سلا القصديرية الذين عرفوه إبنا مخلصا لهم ولقضيتهم... ورغم قمع وحصار السرية والاغتراب داخل الوطن -ابتداءا من أبريل 1976- فقد ظل منتصر نهرا متدفقا مساهما في ترسيخ الوعي الثوري وبلورة العديد من التجارب النضالية المهمة مواكبا النضالات الجماهيرية والعمالية... فكانت حياته القصيرة زمنيا عريضة وغنية من حيث العطاء. لقد كان الشهيد داعية ومنضبطا ومحرضا ديناميكيا ومعبئا ومنظما متخدا كقاعدة للتعامل المركزية-الديمقراطية والتسيير الجماعي والنقد والنقد الذاتي، فتحمل عدة مسؤوليات تنظيمية وسياسية، نذكر منها اسهاماته الكبيرة في إصدار نشرتي "لنخدم الشعب" و "الحقيقة للجماهير" قبل اعتقالات فبراير 1977، والتي نجا منها الشهيد حيث قفز من شرفة المنزل الذي اقتحمه رجال القمع...
نعم، لقد كان الشهيد منتصر من الذين واكبوا تطور الحركة الماركسية-اللينينية المغربية، ولم تغب عنه يوما حقيقتين اساسيتين، الأولى أنه لا لقاء مع النظام الاستبدادي عميل الامبريالية إلا في ساحة الصراع، باستنهاض وتنظيم الجماهير لممارسة العنف الثوري بهدف تحقيق مطامحها واهدافها التاريخية... والثانية أنه يستحيل التخلي عن خدمة الجماهير والثورة، ولذلك ف"مع فهم الإطار العام لحركة التاريخ لا بد أن نستشف واقعنا الخصوصي الملموس، كيف نجيب عن الأسئلة المطروحة وطنيا وقوميا، كيف نبني الحزب الثوري المنشود؟ كيف نلتحم؟ كيف نبث الوعي الثوري ونضمن استقلالية التفكير والتنظيم والمبادرة لحركة الجماهير؟ كيف نتجاوز القمع الخ"، ولذلك أيضا كان الشهيد فلسطينيا حتى النخاع، كانت الثورة الفلسطينية قلبه النابض، أعطاها كل طاقاته وجهوده عاملا على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية يومية لدى الجماهير، باحثا عن تجسيد التلاحم العضوي والمساهمة المباشرة في الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني والإمبريالية.
يا أبناء أمتنا وشعبنا المخلصين، إنه من الصعب جداً أن نختزل حياة الشهيد النضالية في سطور أو نحصرها في كلمات، ولذلك نناشد كل ضمير حي وكل مناضل شريف وكل رفاق الدرب الشاق الطويل، للمساهمة في التعريف بالشهيد ونضاله وفضح الارهاب الأسود الذي ذهب ضحيته الشهيد والعديد من شهداء شعبنا.
رفيقنا منتصر، رفيقنا العظيم، لقد أخذت مكانك بجانب الزرقطوني وحمامة وبنبركة ودهكون وبنونة وزروال وبنجلون وسعيدة وݣرينةوجبيهة وغيرهم من العديد من الشهداء المجهولين، شهداء انتفاضتي 23 مارس 1965 و 20 يونيو 81 وحرب لبنان 82، وصبرا وشاتيلا وانتفاضة 1984... إنك لست الأول ويستحيل أن تكون الأخير، فالصراع مستمر ضد أعداء الشعب...
المجد والخلود للشهيد المنتصر.
المجد والخلود لكل شهداء شعبنا وأمتنا العربية.
الخزي والهزيمة لسفاكي دماء شعبنا وأمتنا."
"لنخدم الشعب"


اسيدون....عاشق فلسطين الذي لا يقاوم عشقه. *باهي عبد السلام*

 المعطي سيون اسيدون



عاشق فلسطين الذي لا يقاوم عشقه.
في أول مسيرة نظمتها الجبهة الإجتماعية بالدار البيضاء يوم 23 فبراير 2020 ، التقيت بالرفيق امين عبد الحميد. وكعادتي في مثل هذه اللحظات، تمسكت بالخطو إلى جانب امين . من اللحظات التي احبها في المسيرات وتريحني. أشارك في اجواء المسيرات. والتقي مع مجموعة من الرفاق من أمثال امين عبد الحميد . نتحدث على بعض الذكريات النضالية الجميلة المشتركة. التي تسمح لنا بأن نعرج على بعض الهموم والإنشغالات النضالية ثم نتكلم في مستجدات الظرفيات السياسية والإجتماعية. وفي مختلف الظرفيات الطارئة.
وبينما كنت إلى جانب امين عبد الحميد خلال لحظات من المسيرة . نشارك ونتحدث. إذا بالمعطي سيون اسيدون يمر من جانبنا. بدا منشغلا ولم ينتبه إلى حضورنا . مع انه من عادته انه لا يترك فرصة مثل هذه المسيرة تمر دون أن يجدد تواصله مع مجموعة من رفاقه القدامى.
بعد مروره بخطوات سريعة ، التفت إليه ، فوجدت المعطي ينظر في الصفوف التي أمامنا ، كأنه يبحث عن شيء ما في الافق . فابتسمت وقلت لأمين المعطي مشغول عنا بالبحث عن شيء ما . ولذلك لم ينتبه إلينا . اجابني امين بقوله المعطي في المسيرات دائما مشغول بحاجة مهمة . ستجده مشغولا بعلم فلسطين. ولا يهدأ له بال حتي يعلم عدد الرايات الفلسطينية والصفوف التي تتواجد بها في المسيرة. وقبل ان يصل إلى هذه النتيجة فهو في حكم العاشق الولهان .
قلت لأمين نعم.
المعطي سيون اسيدون هو المحب الذي يذكرنا دائما بفلسطين والفلسطينين والقضية الفلسطينية . هو ذاك الرفيق الذي يذكرنا بابراهام السرفاتي الذي ظل بدوره عاشقا لفلسطين والقضية الفلسطينة ومناضلا كبيرا ضد الصهيونية.
المعطي هو اسم مستعار اختاره سيون اسيدون أيام نضاله السري مع رفاق منظمة لنخدم الشعب في بداية سنوات السبعينيات من القرن 20.
و كلمة المعطي كما هي عبارة لنخدم الشعب لهما دلالات ونكهة شعبية . أنهما يعكسان انشغالا متاصلا لدى بعض المناضلين بحياة الشعب وبالقرب منها .
رفاق لنخدم الشعب ترجموا بهذا الاسم رغبتهم في إن يقولوا للناس بانهم يريدون ان يكونوا قريبين من الشعب وفي خدمته.
واختار سيون اسيدون اسمه المستعار المعطي ليقول بأنه أقرب إلى ما تمثله شخصية المعطي من رمزية في المجتمع المغربي . ومن خصائص اجتماعية وثقافية . وخاصة في البادية .
وكذا قيل منذ القدم
" وللناس فيما يعشقون مذاهب ".
المعطي عاشق فلسطين. وعاشق البساطة في حياة الناس في البادية المغربية. البساطة المغربية عند يهودها كما عند مسلميها. وعاشق الثورة. ومناهض الصهيونية والرأسمالية الأمبريالية العالمية.
المعطي سيون اسيدون من مناضلينا الذي يذكروننا ويحفظوا ذاكرتنا في جوانب كثيرة من النضالات المتعلقة بفلسطين المحتلة، وبالقضية الفلسطينية. ثلة من المناضلين يمثلوننا ويشرفوننا في وقوفهم المستمر في قضايا التضامن مع الشعب الفلسطيني ، وفي مبادرات دعم نضالاته ، ونصرة قضيته ، ومناهضة الصهيونية والتطبيع بمختلف أشكاله .
من الصعب أن تذكر الأسماء دون أن تعاني من زلة النسيان . وقد قيل ما سمي الإنسان إلا لنسيانه. وإن في النسيان لرحمة احيانا.
سأركب مغامرة ذكر اسماء ثلة من المناضلين. وهم مثال وجزء لا يجب الكل وصفوة المناضلين الكثر العاملين والمنشغلين بالقضية الفلسطينية بصدق .
ثلثة من المناضلين من السرفاتي إلى عبد الرحمان بن عمرو والرفيق محمد بنسعيد ايت ايدر . وعبد الله الحريف. ومصطفى مجيبي ، وايدار ازوكاي ، ومن سيون اسيدون المعطي إلى امين عبد الحميد.
وممن ودعونا خملي نورالدين ورؤوف فلاح وخبير عبدالله والفلاحي والفقيد دشيش عبد اللطيف وحبيبة الزاهي والمرحومة المتميزة فاما . وكذلك من لازالوا على قيد الحياة، ومنهم الرفيق لمروني الفاطمي . وخديجة الرياضي إلى عبد الرزاق الإدريسي، ومن نبيلة منيب واليوسفي عبد اللطيف ومحمد حمزة إلى ابراهمة مصطفى وسعاد ابراهمة. ومن محمد ويحمان إلى خالد السفياني ونجاة التيجي إلى سعيدة وعيد ولحسن الايوبي وازرياح عبد المجيد وزريكم عبد اللطيف وتوفيقي بلعيد ولحسن زندير . ومن عبد المجيد الراضي إلى محمد ابو النصر إلى الرفيق الإدريسي الحسين إلى الرفيق حيطان وعيطونا وسعيد ساهل نسيم الروح. وشاعرنا وفناننا صابر تكروين . والرفاق من عبد الهادي بلكرداس إلى محمد الوافي ، إلى محمد ابو العيش ، إلى محمد شرادو ، إلى محمد اقنوش ويوسف مزي ومحمد سموني وعبد السلام الشفشاوني . عمر اوبوهو وإبراهيم ريزقو ، وسعيد مصرور وعزيز الكرايدي. ومن غالي عزيز إلى الرفيقين الدريدي احمد والطاهر . ومن عمر و انتصار جبيهة إلى زهيرة مرابيط وأسماء الوديع وانيسة اكريش وسعيد بنحماني. وغيرهم من المناضلين والشرفاء في مختلف المدن والبقاع الذين يساندون نضالات الشعب الفلسطيني وقواه الحية والمناضلة ويناهضون الصهيونية وكل أشكال التطبيع وما بدلوا تبديلا .
عبد السلام الباهي..
**********************
المعطي سيون اسيدون رفيق السجن وتجربة الأكل النباتي
جمعني مع رفيقي وصديقي المعطي عدة محطات في مسار الحياة . ومسار نضالي مشترك . تعرفنا على طبائع بعضنا البعض في السجن المركزي بالقنيطرة .
المعطي اعتقل منذ سنة 1972. مع مجموعة أنيس بلافريج. وظل أسير الزنزان مع مجموعة من الرفاق المعتقلين في حي جيم بالسجن المركزي بالقنيطرة.
في المجموعة الأخرى مجموعة السرفاتي. بدأت اعتقالاتنا في نوفمبر 1974.
حوكمت المجموعة سنة 1977. فيما سمي محاكمة الدار البيضاء الكبرى .
كانت إجراءاتها رهيبة. وكانت محط تتبع مباشر من طرف عددة فرق أمنية وأجهزة استعلاماتية . ومنهم فريق الجلاد اليوسفي قدور . الذي بجبروته لم يخف استعماله لغرفة من غرف كهف المحكمة لاغراضه. وربط قاعة المحكمة بآلاته وتتبعه المباشر لجلساتها .
بعد المحاكمة التحقت المجموعة بدورها بالسجن المركزي بالقنيطرة . وفي حي الف بدأت مرحلة جديدة من حياتها في النضال والمعاناة والعمل.
بعد سنوات من النضال السجني. استطعنا نحن ورفاقنا في حي جيم من فك العزلة وتبادل بعض الزيارات. إلى انتهى الأمر بنقل رفاق حي جيم إلى حي الف. والإستفادة من بعض مكتسباتنا المشتركة. مثل فك العزلة وتنظيم الحياة السجنية المشتركة.
في حي ألف تعارفنا انا والرفيق المعطي سيون اسيدون بشكل مباشرة . قربتنا طباعنا . وتنمت علاقتنا . وأصبحت تتسم بنوع من الحميمية. شعورنا بالصدق والمحبة نمارسه اكثر مما نتحدث عنه . إلى درجة كنت أحضر معه بعض زياراته العائلية واشاركه فرحته فيها .
الأمهات هن عصب الزيارات العائلية في السجن. وبحكم غياب الام عندي منذ صغر سني . كنت من بين الرفاق قليلي الزيارات في السجن.
ظلت قيم النضال و المحبة والإحترام تجمعني مع المعطي أسيدون ومع رفاق آخرين .
ويقربنا نوع من الحميمية. سرعان ما نستعيدها مهما باعدت بيننا ظروف العمل وانشغالات الحياة فيما بعد .
في السجن المركزي . عانى المعتقلون السياسيون كل الوان المعاناة. وناضلوا. وتركوا ضحايا شهداء ومعطوبين . وحققوا مكتسبات. منها فك العزلة. وضمان فتح الزنازن والإستفادة من الشمس والفسحة الطويلة في الساحة . وتنظيم حياة مشتركة في الاكل والدراسة والكتب وغيرها من جوانب الحياة السجنية.
شكل المعتقلون فيما بينهم مجموعات . حسب الطباع والسجية والحميميات وحتى الحساسيات ومن يتقبل من .
أصبح لنا نظام أكل مشترك . خرانة وكتب. قاعة تلفزة جهزتها العائلات. وطابورييات للجلوس . والطابوري هو كرسي فردي صنعه السجناء من علبة نيدو واقمشة . يصلح للجلوس الفردي . إنه كرسي السجن الذي نسج حول السجناء قصصا وروايات .
الحياة السجنية ككل حياة . هي جزء من صراع عام وكبير في المجتمع . صراع الطبقات الإجتماعية الكبرى . الذي يؤطر باقي الصراعات ويؤثر فيها. بل هو قانونها الأساسي والإطار . الذي لا يمكن التنكر له او نكران نتائجه . إلا من باب أن السماء ليست فوقنا والأرض ليست تحت اقدامنا.
وباقي الصراعات الأخرى هي تدافع و تفاعل أخذ وجذب، تأثير وتأثر . جزئيات و يوميات . قد تكون لها متطلباتها الخاصة. وكذا قوانينها الفرعية.
التناقضات ليست على مستوى واحد .
وهي دائمة التحول والتطور.
والتناقض الرئيسي ليس ككل التناقضات الثانوية.
وها هي متطلبات السجن وتناقضاته الخاصة تفرض نفسها علينا وعلى عائلاتنا . تفرضها ظروف السجن وكل عوامل القمع والضغط والتدافع . ومن متطلبات الحياة السجنية ان تناضل على نسمة حرية ولو بين الجدران والإختناق . وأن تتبنى البريكولاج السجني اليومي . ولو لم تكن قد تدربت عليه من قبل . لان للحياة سننها وقوانينها . الزنزانة هي عالمك. والفسحة هي متنفسك. ورفاقك هم محيطك . والحراس والأبواب والجدران. كلها أشياء تذكرك بالسجن والسجان.
النظافة والنظام حياة ومطلب .
البريكولاج كان له أبطاله من مناضلينا . ولحسن حظنا . اننا لانبدو كمثقفين منعزلين عاجيين . كنا رفاقا ومناضلين. لهم تجارب في الحياة والميدان . ومنا مناضلون من أبناء الأحياء الشعبية العميقة. الذين تربوا في معمعان الكفاح اليومي الشعبي. اذكر منهم العزيز الميموني عبد العزيز الطونيو . صاحب القلب الكبير . ومحب الحياة الذي لا يهدأ. وهاوي أغنيات الحياة ورقصاتها . والعزيزين صبير لحسن وخليل بلقاسم القيفقاز . ومحمد الغريسي ابن الشعب العنيد . الذي لم ينس اصوله . والحرش الصديق ابو غسان المتميز بروحه العملية السلاوية المرحة وحركيته. وبنمالك الحبيب ابن سلا الذي سكنه حبها وحب سكانها . ويريد هو وعبد الله المسفيوي أن يجعلا من سلا القديمة سلا جديدة تسر الناظرين في كل شيء. والمرحوم عبد العالي اليزمي. والخطابي وفريد الحداد ورفيقي كرطاط الغازي الذي احمل صورته مع صورتي .
ولا انس ان اذكر الرفيق العظيم المحبوب مصطفى التمسمانى ذو الحضور المتميز واللياقة والمحبة في حياتنا السجنية. هو وأمثاله ممن قال عليهم الرفيق التيتي الحبيب عن حق. لولا هؤلاء الرفاق لكانت تجربة السجن علينا اكثر قساوة. بغنائياته ومحبته الصادقة التي تلتئم لها كل الجروح . شكل مصطفى التمسمانى معلمة من المحبة الرفاقية في حياتنا السجنية ، ومعه كل رفاق طنجة الأعزاء ، رفيقي وعزيزي حميد الازماني الذي دخل السجن شابا هو وأخي محمد فلوس كذلك . وفقيدنا بوقرطاس اصغرهم الذي أرخنا أنا وإياه لحلاقتنا السجنية الأولى " التصليعة " بصورة محبوبة ومؤثرة . وأخي ورفيقي محمد السريفي الروخو الذي دوخ معتقليه قبل أن يعتقلوه . وحكيم رفاق طنجة محمد اعزايبو.
وغيرهم من مناضلي الشمال من الريف إلى تطوان . ومن العرائش إلى القصر الكبير . ومن وجدة وكرسيف إلى تازة وبركان إلى الناظور والحسيمة وزايو ومدن الريف العزيزة .
وغير ها من مدن الشمال التي ظل مناضلوها مصابيح تنير سماء عتمتنا.
والقائمة طويلة. والرفاق متعددون. متعددون في الإنسانية وفي التكوين و المواهب.
بعد فك العزلة أصبح بإمكان كل رفيق ان يؤسس أو يساهم في تأسيس حلقة للاكل مع من يشاء من الرفاق.
يلتئم الرفيق مع الذين يجدهم الأقرب إليه في الذوق والحميمية.
بعض الرفاق ظلوا ينظمون اكلهم بشكل فردي. فيضمنون بذلك تعاطف باقي الرفاق.
جمعني الطبع والذوق والحميمية مع رفيقي المعطي سيون اسيدون. وشكلنا حلقة اكل نباتي . اجتمعنا حولها سنوات. واكتشفت مع المعطي عالم النباتيين وأشياء كثيرة . وكنا نقايض الحليب ومشتقاته والبيض بالمواد النباتية مع بعض الرفاق .
أما اللحوم والمواد الحيوانية التي نأخذها من السجن ، فنسلمها لبعض الرفاق . وكنت اخصص حصتي من اللحم للرفيق رشيد منير. لأنه كان يبدو لي أصغر سنا . وكنت اقول مع نفسي اللحم قد يفيده في التحمل اكثر مني.
أدعو له الآن بالشفاء.
واذكر أن من ذكرياتي معه.
" انه صنع من قطعة اللحم التي كنت اسلمها له نكتة ظل يحكيها لكل معارفنا المشتركين . منذ أن خرجنا من السجن ، وهو كلما التقينا ولو صدفة ، إلا و يطلب ممن قد يكون حاضرا معنا ، ان يدعو للرفيق الباهي عبد السلام بالخير . فيتساءل الحاضر عن مناسبة الدعاء وسببه . فيجيبه رشيد بروح البسط والسذاجة . يوم كنا في السجن كان يتبرع علي بحصته من اللحم التي توزع علينا في الزنازن .
حلقة الاكل النباتية مع اسيدون تعلمت فيها الكثير حول نظام الاكل النباتي. واحسست فعلا بفوائده التي تبدو بارزة على الصحة واللياقة البدنية والقدرات والمعنويات .
وهذه فائدة أخرى من فوائد الحياة التي جمعتني مع رفيقي المعطي سيون اسيدون.
22/01/2021
عبد السلام الباهي
يتبع
****************************
مع السيدة فيوري ومع السيد ماكس اسيدون
في المنزل كما في العمل
بعد خروجي من السجن . وبعد معاناتي مع متاعب العطالة المؤقتة وقلة ما في اليد . وعدم توفري على سكن مستقر .
عشت لفترة ما متنقلا في السكن ما بين بعض الرفاق والأصدقاء .
واذكر أن ممن تقبلني وسكنت معهم في هذه الفترة من حياتي ، خالتي لالة رقية ام الفقيد سي محمد الوفا ، والمرحومة اختي فريدة التي كانت تقطن في حي البرنوصي . وكانت ترعبها زيارات الحاج ثابت . وكانت تتوسلني هي زوجها وتطلب مني الذهاب لمقابلة الحاج ثابت حتى لا تتكرر زياراته المزعجة لهم . ولم تسترح المسكينة من رعبه ومن الخوف من إعادة اعتقالي ، إلا يوم فارقت الحياة و وتركت أطفالها صغارا . وسي محمد الخرفاوي الصديق المراكشي من رفاق زعيم الحركة الإتحادية الأصيلة ورئيس حكومتنا الوطنية اليتيمة مولاي عبد الله ابراهيم . وأصدقائي من عائلة الخراص الوطنية الطيبة . سيدي أحمد والدكتور عبد الجليل . وخاصة رفيقي وصديقي سي محمد الخراص الذي احبه واعزه . وصديقي الذي لن اوافيه حقه في العرفان مهما فعلت، رفيقي في المعاناة والمحن والصبر ، عبد الرزاق اومحاند ، الصامد مع اخته خديجة وأخيه إدريس اومحاند .
عبد الرزاق اومحاند رفيق الشهيد جبيهة رحال وامين سره في المهمات الصعبة ايام نضال السرية والمحن . وأيام مهمات الصعوبات والمخاطر الجمة في التواصل والتراسل مع السجن . أدعو لرفيقي عبد الرزاق اومحاند من قلبي الصادق بالشفاء العاجل . بعد كل المحن التي مرت عليه وعاني منها أشد المعاناة .
بعد التحاقي بمدينة الدار البيضاء ، في هذه الظروف العسيرة غير المستقرة والهوجاء ، المليئة بكل أشكال المعاناة والمتاعب . كانت الشرطة لازالت تراقبني ، وتبحث عني وتلاحقني ، أين ما حللت ورحلت.
حتى في أماكن العمل والتمرين .
وخاصة الفرق التابعة للحاج ثابت . التي كررت استدعائي للكوميسارية اكثر ممن مرة . قصد معرفة مكان إقامتي وسكني.
واذكر مرة أن الحاج ثابت كان قد احضر فريقا من اتباعه . جاء يحملهم في سيارة للشرطة. وحضر إلى مكتب الأستاذ عبد الله بورماني . حيث كنت لازلت اعمل آنذاك متمرنا بمكتبه .
وارعب الحاج ثابت كاتبة الأستاذ بورماني وزملاءها في المكتب . وتوعدها بالرجوع إذا لم تعلمني بضرورة الحضور إلى مكتبه في الكوميسارية في أقرب الآجال.
كما اذكر أنني زرت الحاج ثابت فعلا بعد ذلك اليوم في الكوميسارية بروشنوار . ولما رآني بادرني بالقول أين تسكن . قلت له اسكن مؤقتا مع اختي بالبرنوصي . قال لي زوج اختك يتبرأ منك . ولدينا تصريحات اخذناها منه يؤكد فيها أنك لا تقطن عندهم . ابحث لك عن سكن . ونحن نساعدك بالملفات . وحسن وضعيتك . قبل أن تبقى هكذا كالمشرد المشاغب . ونرجعك للسجن.
قلت له الملفات ممنوع علي استقطابها والحصول عليها بطرق غير مشروعة. وأنتم تعلمون ذلك . والسجن إذا قدر علي أن ارجع إليه فأهلا وسهلا به . تشاءم الحاج ثابت من ردي . وختم الكلام . وقال لي . نحن تكلمنا . وانت فهمت . فاختر أي الطريقين الذي تريد؟
وفي الباب أخبرني حارس الشرطة ان علي أن ارجع لسحب بطاقتي فيما بعد . وبقيت اتردد على كوميسارية الحاج ثابت اكثر من 10 ايام قبل أن استرجع البطاقة الوطنية . فعدت للبحث عن السكن وعن مكتب جديد للتمرين . لأن زيارة الحاج ثابت المفاجئة بسيارة الشرطة لمكتب الإستاذ عبد الله بورماني ، جعلتني في وضعية غير مريحة . بل حرجة . وأصبحت أشعر بأن وجودي في المكتب قد يكون مدعاة لمضايقات جديدة ؟؟؟
تنقلت هكذا بين عدة مكاتب للتمرين . وشرعت في إجراءات التمرين بصعوباتها .
والإلتحاق بصفوف مهنة المحاماة في الدار البيضاء بالنسبة لي لم يكن سهلا .
لكن المرحوم الأستاذ محمد الصبري المناضل الشريف وابن الحركة الإتحادية الاصلية ، كان ممن ساندوني ماديا ومعنويا . فلن انساه ولن انس مساندته لي ما حييت .
لذكراك صديقي العزيز ، وفقيدي الأستاذ محمد الصبري كل التحية . ولترقد روحك في سلام وطمأنينة.
وكذلك زميلي المروحوم الأستاذ نبيل محمد الطاهر الرجل البسيط الطيب الودود . والمرحوم الأستاذ الحلوي . والأستاذ احمد فاضل اخي الذي لم تلده لي أمي. الذي كسبت صداقته وصداقة أسرته الفاضلة وأبنائه . خاصة ابنه الشاب سلطان فاضل.
في هذه الأثناء كان المعطي قد رحب بي للسكن معه في سكناه . وعشنا معا حياة الرفقة والصداقة . تحت نفس السقف. وبنفس النظام الغذائي البسيط المشترك . ومن اهم لحظاتنا ان نزور عائلة المعطي سيون اسيدون . عائلة السيدة فيوري و السيد ماكس اسيدون ، من حين لآخر ، في منزلهما القريب من عملها ، بزنقة خريبكة بالدار البيضاء .
زيارات ترحب بها على الخصوص والدة المعطي السيدة فيوري.
السيدة فيوري امرأة طيبة. أنيقة ملتزمة بأسرتها وعملها. مقيمة في الدار البيضاء. ولكنها لا تنس أصولها وثقافة اهلها الآتية من مدينة الصويرة . تحملت مع زوجها وأبنائها كل محن الحياة . خاصة منذ زلزال أكادير الذي اضطر الوالد وأسرته إلى الهجرة من اكادير إلى الدار البيضاء. ثم بداية مشواره العملي الجديد وتجارته.
السيدة فيوري عرفناها أما من أمهات المعتقلين السياسيين. من الأمهات المناضلات قولا و فعلا . تعمل بصمت وتحمل . دائمة الزيارة لابنها. وفي كل الزيارات كانت تحرص على المعنويات الجيدة للجميع . وكانت تبدو دائما إيجابية. مع المعتقلين السياسيين ومع العائلات ومبادراتهم .
كثيرة هي الأشياء الإيجابية غير الظاهرة التي ظلت تساهم بها السيدة فيوري في حياتنا كمعتقلين سياسيين .
وكثيرة هي الأشياء التي كانت تساهم بها مع الأمهات. خاصة المسنات . للحد من عنائهن ومحنهن .
إنها سيدة فاضلة حقا.
تعرفت عليها منذ السجن.
وعلمت انها هي التي لعبت دورا أساسيا ومحوريا في تجهيز القاعة الجماعية التي حصلنا عليها في حي الف.
الكراسي التي ظل يستفيد منها المعتقلون السياسيون هي من أحضرتها . وقد تركناها لرفاقنا بعد خروجنا . وهم تركوها لسجناء الحق العام . ليستفيدوا منها بعدنا. وربما بعدهم آخرون .
أفادنا الفضلاء فاستفدنا. واستفاد غيرنا من أبناء شعبنا . وهكذا دواليك .
وبعد السجن أسعدني أنني زدت تعرفا على السيدة فيوري. كأم للمعتقل السياسي رفيقي المعطي سيون اسيدون.
كانت ترحب بي كلما اتيحت لي فرصة زيارتها في عملها أو منزلها رفقة ابنها . كانت تفرح حقا. وتريد أن تعبر عن فرحتها بأن تقدم لنا أحسن ما لديها من أكل أو شرب أوهدية ولو كانت بسيطة .
كانت حياتها المنزلية بسيطة ومنظمة. كما هو الحال في مكتبها ومكان عملها. ولكنها انيقة في كل شيء . في العمل المكتبي كما في العمل المنزلي .
ومليكة السيدة التي تشتغل مع السيدة فيوري في منزلها . هي بدورها امرأة طيبة فاضلة. تجالسنا كواحدة من العائلة . ولا شيء يشعرها بغير جو العائلة. ولا شيء يوحي لنا بأنها خادمة.
ومثل السيدة فيوري كانت تفرح لزيارتنا. وخاصة زيارة المعطي سيون اسيدون الذي كانت تشعر بعنايته الإنسانية الفائقة .
في العمل بزنقة خريبكة . تعرفت على السيد ماكس اسيدون . في مكان عمله هو كذلك أناقة وبساطة. رجل عملي . يتكلم ويفيد . ولكنه يحب عمله اكثر . ومنخرط ومنضبط فيه بقوة. ويعطي حسن المثال لمستخدميه.
جاء من قلب سوس. من مدينة أكادير. حيث نجا هو وأسرته من الزلزال. لكن تجارته في الدراجات النارية تعرضت للضرر بعد الزلزال .
وفي الدار البيضاء أعاد بناء تجارته. وبعمله الدائب . وبعزيمته وانضباطه ، استطاع ان يعيد الإنطلاق . ويمارس مفهومه الخاص الإنساني والبشري والإقتصادي والإجتماعي لنموذج التنمية.
كلما زرته في مكتبه إلا وقضينا معا لحظات جميلة . قد تكون قصيرة ، ولكنها ممتعة. مع كأس قهوة او كأس شاي ، يدعو أحد المقربين إلى إعداده إلي إذا رغبت فيه.
بعض المرات يدعوني لتناول طعام الغذاء معه بمنزله . نذهب سويا مشيا على الأقدام ، ونتحدث في كثير من شؤون الدنيا وتجارب الحياة .
السيد ماكس اسيدون طاقة مشتغلة رغم كبر سنه . قدوة في العمل. يحب عمله. في وقت الذهاب للعمل كما في وقت الرجوع إليه ، نشيط ومنضبط . ولا يحب ضياع الوقت.
ذات يوم دعاني لتناول طعام الغداء معه. استجبت . وعلى الفور انطلقنا مشيا على الأقدام نحو منزله ، الذي لا يبعد عن مقر عمله .
وفي الطريق لاحظ بأن مصالح جماعة الدار البيضاء ، كانت قد قامت للتو بتزفيت جزئي لإحدى ازقة درب عمر قرب عمله . وبدت له حفرة قادوس مفتوحة ، بدون اي احتياط .
كانت تبدو عليها كل ملامح الخطر . خاصة إذا سقط فيها طفل او امرأة . الناس يمرون ذهابا وإيابا . يلاحظون الخطر . يتأسفون ويمرون. ولكن السيد ماكس اسيدون انزعج من المنظر وتخوف . وعبر على قلقه صراحة. وقال علينا عمل شيء ما . أيدته في فكرته . وقلت له يمكن أن نجري اتصالات أولية على الاقل . لعلها تفيد في تحرك المسؤولين وفعل اي شيء مفيد . صمت لحظة . ومشينا . وما إن وصلنا إلى منزله حتى بادر بتخفيف بعض ملابسه. وقبل ان تهيئ زوجته مادام فيوري وجبة الغذاء. كان هو قد انهمك في كتابة رسالة إلى عامل مدينة الدار البيضاء . اخبره فيها بما رأى . وطالبه بالتدخل العاجل درءا لكل المخاطر .
رجعنا إلى مكتب السيد ماكس بعد الغذاء والقهوة . وقال إنني أنتظر جواب العامل. وإذا لم يتصل بي سأتصل به.
وايقنت ان الوطنية قناعة. وحب الوطن والمواطنين ليس كلاما . بل هو عمل مستمر . والتزام أدبي ومعنوي وعملي في الحياة اليومية . وأن المساهمة في بناء الوطن هي روح خلاقة ودوافع متنامية ومبادرات إيجابية .
وهذا وجه آخر مشرق من الروح الإنسانية الإيجابية ، ومن روح الوطنية البناءة ، و الروح النضالية العالية ، التي تعلمتها من السيدة فيوري أطال الله في عمرها ومتعها بالصحة والسلامة . ومن السيد ماكس اسيدون الذي له مني كل دعوات الخير والرحمة.
ولترقد روحه في سلام ابدي .
23/ 01 /2021
عبد السلام الباهي
**********************
مع المعطي سيون اسيدون في ضيافة فقيه تسركات
إنها بلدة تسركات
بلدتي وبلدة والدي وذويه .
احبك ياموئل عواطفي ووجداني .
رغم ان الظروف فرضت على والدي الهجرة المبكرة .
وفي الهجرة رحلة.
سيان رحلة الحياة أوهجرة العمل.
هما معا تتحدثان . كما تحدث ناظم حكمت.
"عن الرجل الذي يمشي"
عنك ابي الذي تمشي
الذي غرس في وجداني حب البلد وحب تسركات .
وأنت ياتسركات.
ياابنة منطقة زاكورة.
ياطفلة أينعت بحب الأصول.
يرجع بي الشوق إلى الآباء .
وإلى فقيه وعلامة تسركات .
علي بن يوسف الدرعي . شيخ الناصريين وموحد التسركاتيين. وصديق الدلائيين . في القرن 17 الميلادي ، يوم كان نور تسركات يشع على زاوية تامكروت.
وزاوية تامكروت هي الام الولود
للزاوية الناصرية بالجنوب .
والدي السيد عبدالله بن علي بن عبد العزيز التسركاتي .
المسمى قيد حياته عبد الله الباهي .
ومنه اخذت انا واخوتي اسمنا الباهي .
ابي من أصول فلاحية من جنان وسواقي تسركات . ولكن ظروف الحياة وطموحات الشباب فرضت عليه أن يحول وجهته صوب التجارة مع منتصف القرن 20 .
خرج يطلب متسعا من العيش.
وتسركات تودعه وتطل عليه من بين أغصان واحة النخيل الغناء بترناتة . وسط جنان النخيل . وأشجار تفوح بالرياحين .
اليوم كل شيء في تبدل وتحول.
في وادي درعة ماء قليل.
يجري على مهل . تلفحه حرارة شمس حارقة ، ويمتصه ريح الشوق الذي يوسع مساحات الجفاف .
وتطل تسركات من بعيد على جبل زاكور . أو ووازكور . أو على الجنوب الصحراوي الذي كتب عنه الفرنسي جاك مونييه منذ سنوات. بما تبعد به عن زاكورة من كيلوميترات . وتطل على الطريق الوطنية الرابطة بين زاكورة وتنزولين واكدز . وفي احدى كدياتها يوجد ما يسمى
" قصر النصارى" او قصر البرتغال ". الذي قد يخفي قصة او قصصا من فترات الإستعمار .
في تسركات الطبيعة والجو مختلطان . جو شبه صحراوي جاف قاري وحار في الصيف. وبارد في الشتاء . لا يخلو من شح طبيعي وجفاف . وسماء مشمسة في اغلب اوقات السنة . وقفار و كتبان رملية زاحفة . قساوة وشدة في الطبيعة . شظف عيش . بساطة وتقشف.
والناس بين هذا وذاك .
الدور والقصور والقصبات والاسوار . ظلت تلك هي أنماط بنائهم المعماري وحياتهم الإجتماعية.
ونظام الري التقليدي الذي لازال له مفعوله .
تسركات هي المجال العقاري الجماعي للجماعة. يصل مجالها حوالي 700 هكتار . حصنه الأجداد وناضلوا بكفاحيتهم من اجل حمايته والحفاظ عليه .
قبل أن يتهدده المخزن والرأسمال الزاحف على بطنه كما على ظهره .
وكان الفضل للمجموعات الأولي من الرجال والأسر من أمثال اليزيدي واليوسفي وبوتدغارت والباهي والقبابي واليعلاوي والرمزي والعربي والزمزمي والجعفري والجناني والمنصوري ومسكين والحليمي وايت باباها والكروري وآيت بركة والشدعي وميمي والسدراوي والصالحي و الأنصاري ولحسن يدر والطالب وحنيني وعنايا والحداد وغيرهم كثير. ممن واكبوا او تقدموا للسلطة الوصية على الجماعات السلالية وطلبوا تحديد مجالهم العقاري وتحفيظه. كان ذلك منذ زمان. حس الناس ووعي ساكنة تسركات وآبائها وبناتها وأبنائها حي منذ الأزل .
تسركات هي ساكنتها وشبابها . هي جماعتها السلالية. هي ذوو حقوقها . هي جماعة نوابها . هي وكيل اراضيها . هي جماعتها الترابية ترناتة . وهي قيادتها وإداريوها الحرصون على حقوق ومصالح سكانها .
من ابناء تسركات هناك فلاحون وعمال وطلبة وتلاميذ ومدرسون واطباء وصحفيون وحقوقيون ومهندسون ومحامون وتقنيون وموظفون وتجار وفقهاء وحرفيون يشرفون بلدهم وآباءهم واسرهم .
هم من أبناء المغرب العميق . وطريقهم نحو التعلم والمعرفة والثقافة و الغرب والشرق والشمال والجنوب والعالم لم يكن سهلا . إن لم يكن محفوفا بكثير من التوجسات والمخاوف والمتاعب والتحفظات وحتى المخاطر .
في منتصف التسعينيات من القرن 20 قررت انا ورفيقي المعطي سيون اسيدون ان نزور تسركات.
ومن البيضاء عبر مراكش انطلقت رحلتنا.
عبرنا الأطلس وممر تيشكا الصعب بسلام . والمعطي سائق متمكن . يجعلك تشعر بالإطمئان إلى سياقته.
وبعد توفليحت وتزليظة وتدارت ها نحن نطل على تيشكا وتلوات . ثم وارززات عبر إغرم نوكدال . ثم امرزكان وايميني .
آه يا ايمني. يا قلعة المنجميين الصامدة . سأحكي ذات يوم عن خيمة صمود عمالك التي زرتها يوم عيد الأضحى .
وسأحكي كيف تختلط نكهة الصمود بفرحة عيد البسطاء .
بعد فسحة وارززات ومحيطها ومداراتها ، اتجهنا صوب جبل ايت ساون . ثم مدينة اكدز الصغيرة بمساحتها الكبيرة بتاريخها المليء بالأحداث . ثم القصبات واحدة تلو الأخرى. من اوريكة إلى تنزولين وأولاد مساعد وأولاد امقدم وأولاد الوشاح . ثم ترناتة وتسركات.
وقفنا لحظات أمام الواحة.
و استقبلنا الشباب من الاهل والأقارب من تسركات .
و سرعان ما اندمجنا في العائلة. عائلة عمتي المرحومة لالة خديجة اليعلاوي بنت علي الباهي .
كانت فرحة لالة خديجة وابنائها وأهل زوجها وكل الأقارب والاطفال والأصدقاء لا تقدر . وكانت فرحتنا تزداد اكثر بفرحتهم وحبهم.
تناولنا التمر وشربنا اللبن. وأكلنا البسيط من الطعام وفرحنا .
والشاي هو زاد الكلام عند أهل الجنوب . يعد في كل لحظة وحين. تعبيرا عن الفرح والمحبة.
كان من بين من يحضر جلساتنا فقيه القرية سي محمد اليعلاوي رحمه الله.
لم يكن هو الفقيه الرسمي للبلدة .
فالمسجد له إمامه ومؤذنه .
ولكن سي محمد اليعلاوي هو الرجل البسيط . والفقيه المرجعي المحبوب لدى اهل القرية . حافظ للقرآن . ومنكب على كتب الفقه .
تتميز فتاواه باليسر.
وفي سلوكه رحمة وتواضع. لا يكره أحدا.
بعد حين بدأت مع المعطي نتآلف مع فقيه القرية. نتحدث ونبسط .
وكذلك كان أمرا ميسورا .
وفي كل مرة يطلب المعطي من الفقيه معلومة او مقولة. فلا يبخل علينا بمعارفه.
تنبه المعطي سيون اسيدون إلى تميز فقيه قرية تسركات . ولاحظ انه غير فضولي. وأنه بسيط في منطقه ومسلكه. وأنه لايدعي العلم . ولا يعنف الناس باللفظ او غير اللفظ . ولايتكلم إلا على قدر السؤال . ولا يأكل إلا بسيطا. ولا يأكل كثيرا . ولا يكثر من نقد الآخرين . وأنه يدعو للجميع بالهداية .
بل عجب أن راه في لحظة ما ، يمد يده بالاكل لحماره ، كما يمدها بالطعام لابنه. حفنة من الشعير يتناولها الحمار من يد الفقيه الجالس في صبر واناة . بينما الطفل يتناول ما باليد الأخرى .
وكان من أهل الفقيه من كان يردد متفكها ما اسعد هذا الحمار الذي يعيش في كنف الفقيه .
اطمأن فقيه قرية تسركات لوجود المعطي سيون اسيدون مع أبناء البلدة .
ومنذ تلك الزيارة احب المعطي سيون اسيدون فقيه تسركات سي محمد اليعلاوي رحمه الله. وظل يسألني عنه.
ويوم علم مني بوفاته لم يخف حزنه وألمه . وتأسف لعدم تمكنه من رؤيته مرة أخرى والسلام عليه . ودعونا له جميعا بالرحمة والمغفرة .
وظل المعطي سيون اسيدون هكذا يسألني عن تسركات ، وعن اهلها وفقيهها وجنانها ، كلما جمعتنا الظروف وتحدثنا عن ذكرياتنا .
عبد السلام الباهي
24/ 01 /2021
المعطي سيون اسيدون رفيق السجن وتجربة الأكل النباتي
جمعني مع رفيقي وصديقي المعطي عدة محطات في مسار الحياة . ومسار نضالي مشترك . تعرفنا على طبائع بعضنا البعض في السجن المركزي بالقنيطرة .
المعطي اعتقل منذ سنة 1972. مع مجموعة أنيس بلافريج. وظل أسير الزنزان مع مجموعة من الرفاق المعتقلين في حي جيم بالسجن المركزي بالقنيطرة.
في المجموعة الأخرى مجموعة السرفاتي. بدأت اعتقالاتنا في نوفمبر 1974.
حوكمت المجموعة سنة 1977. فيما سمي محاكمة الدار البيضاء الكبرى .
كانت إجراءاتها رهيبة. وكانت محط تتبع مباشر من طرف عددة فرق أمنية وأجهزة استعلاماتية . ومنهم فريق الجلاد اليوسفي قدور . الذي بجبروته لم يخف استعماله لغرفة من غرف كهف المحكمة لاغراضه. وربط قاعة المحكمة بآلاته وتتبعه المباشر لجلساتها .
بعد المحاكمة التحقت المجموعة بدورها بالسجن المركزي بالقنيطرة . وفي حي الف بدأت مرحلة جديدة من حياتها في النضال والمعاناة والعمل.
بعد سنوات من النضال السجني. استطعنا نحن ورفاقنا في حي جيم من فك العزلة وتبادل بعض الزيارات. إلى انتهى الأمر بنقل رفاق حي جيم إلى حي الف. والإستفادة من بعض مكتسباتنا المشتركة. مثل فك العزلة وتنظيم الحياة السجنية المشتركة.
في حي ألف تعارفنا انا والرفيق المعطي سيون اسيدون بشكل مباشرة . قربتنا طباعنا . وتنمت علاقتنا . وأصبحت تتسم بنوع من الحميمية. شعورنا بالصدق والمحبة نمارسه اكثر مما نتحدث عنه . إلى درجة كنت أحضر معه بعض زياراته العائلية واشاركه فرحته فيها .
الأمهات هن عصب الزيارات العائلية في السجن. وبحكم غياب الام عندي منذ صغر سني . كنت من بين الرفاق قليلي الزيارات في السجن.
ظلت قيم النضال و المحبة والإحترام تجمعني مع المعطي أسيدون ومع رفاق آخرين .
ويقربنا نوع من الحميمية. سرعان ما نستعيدها مهما باعدت بيننا ظروف العمل وانشغالات الحياة فيما بعد .
في السجن المركزي . عانى المعتقلون السياسيون كل الوان المعاناة. وناضلوا. وتركوا ضحايا شهداء ومعطوبين . وحققوا مكتسبات. منها فك العزلة. وضمان فتح الزنازن والإستفادة من الشمس والفسحة الطويلة في الساحة . وتنظيم حياة مشتركة في الاكل والدراسة والكتب وغيرها من جوانب الحياة السجنية.
شكل المعتقلون فيما بينهم مجموعات . حسب الطباع والسجية والحميميات وحتى الحساسيات ومن يتقبل من .
أصبح لنا نظام أكل مشترك . خرانة وكتب. قاعة تلفزة جهزتها العائلات. وطابورييات للجلوس . والطابوري هو كرسي فردي صنعه السجناء من علبة نيدو واقمشة . يصلح للجلوس الفردي . إنه كرسي السجن الذي نسج حول السجناء قصصا وروايات .
الحياة السجنية ككل حياة . هي جزء من صراع عام وكبير في المجتمع . صراع الطبقات الإجتماعية الكبرى . الذي يؤطر باقي الصراعات ويؤثر فيها. بل هو قانونها الأساسي والإطار . الذي لا يمكن التنكر له او نكران نتائجه . إلا من باب أن السماء ليست فوقنا والأرض ليست تحت اقدامنا.
وباقي الصراعات الأخرى هي تدافع و تفاعل أخذ وجذب، تأثير وتأثر . جزئيات و يوميات . قد تكون لها متطلباتها الخاصة. وكذا قوانينها الفرعية.
التناقضات ليست على مستوى واحد .
وهي دائمة التحول والتطور.
والتناقض الرئيسي ليس ككل التناقضات الثانوية.
وها هي متطلبات السجن وتناقضاته الخاصة تفرض نفسها علينا وعلى عائلاتنا . تفرضها ظروف السجن وكل عوامل القمع والضغط والتدافع . ومن متطلبات الحياة السجنية ان تناضل على نسمة حرية ولو بين الجدران والإختناق . وأن تتبنى البريكولاج السجني اليومي . ولو لم تكن قد تدربت عليه من قبل . لان للحياة سننها وقوانينها . الزنزانة هي عالمك. والفسحة هي متنفسك. ورفاقك هم محيطك . والحراس والأبواب والجدران. كلها أشياء تذكرك بالسجن والسجان.
النظافة والنظام حياة ومطلب .
البريكولاج كان له أبطاله من مناضلينا . ولحسن حظنا . اننا لانبدو كمثقفين منعزلين عاجيين . كنا رفاقا ومناضلين. لهم تجارب في الحياة والميدان . ومنا مناضلون من أبناء الأحياء الشعبية العميقة. الذين تربوا في معمعان الكفاح اليومي الشعبي. اذكر منهم العزيز الميموني عبد العزيز الطونيو . صاحب القلب الكبير . ومحب الحياة الذي لا يهدأ. وهاوي أغنيات الحياة ورقصاتها . والعزيزين صبير لحسن وخليل بلقاسم القيفقاز . ومحمد الغريسي ابن الشعب العنيد . الذي لم ينس اصوله . والحرش الصديق ابو غسان المتميز بروحه العملية السلاوية المرحة وحركيته. وبنمالك الحبيب ابن سلا الذي سكنه حبها وحب سكانها . ويريد هو وعبد الله المسفيوي أن يجعلا من سلا القديمة سلا جديدة تسر الناظرين في كل شيء. والمرحوم عبد العالي اليزمي. والخطابي وفريد الحداد ورفيقي كرطاط الغازي الذي احمل صورته مع صورتي .
ولا انس ان اذكر الرفيق العظيم المحبوب مصطفى التمسمانى ذو الحضور المتميز واللياقة والمحبة في حياتنا السجنية. هو وأمثاله ممن قال عليهم الرفيق التيتي الحبيب عن حق. لولا هؤلاء الرفاق لكانت تجربة السجن علينا اكثر قساوة. بغنائياته ومحبته الصادقة التي تلتئم لها كل الجروح . شكل مصطفى التمسمانى معلمة من المحبة الرفاقية في حياتنا السجنية ، ومعه كل رفاق طنجة الأعزاء ، رفيقي وعزيزي حميد الازماني الذي دخل السجن شابا هو وأخي محمد فلوس كذلك . وفقيدنا بوقرطاس اصغرهم الذي أرخنا أنا وإياه لحلاقتنا السجنية الأولى " التصليعة " بصورة محبوبة ومؤثرة . وأخي ورفيقي محمد السريفي الروخو الذي دوخ معتقليه قبل أن يعتقلوه . وحكيم رفاق طنجة محمد اعزايبو.
وغيرهم من مناضلي الشمال من الريف إلى تطوان . ومن العرائش إلى القصر الكبير . ومن وجدة وكرسيف إلى تازة وبركان إلى الناظور والحسيمة وزايو ومدن الريف العزيزة .
وغير ها من مدن الشمال التي ظل مناضلوها مصابيح تنير سماء عتمتنا.
والقائمة طويلة. والرفاق متعددون. متعددون في الإنسانية وفي التكوين و المواهب.
بعد فك العزلة أصبح بإمكان كل رفيق ان يؤسس أو يساهم في تأسيس حلقة للاكل مع من يشاء من الرفاق.
يلتئم الرفيق مع الذين يجدهم الأقرب إليه في الذوق والحميمية.
بعض الرفاق ظلوا ينظمون اكلهم بشكل فردي. فيضمنون بذلك تعاطف باقي الرفاق.
جمعني الطبع والذوق والحميمية مع رفيقي المعطي سيون اسيدون. وشكلنا حلقة اكل نباتي . اجتمعنا حولها سنوات. واكتشفت مع المعطي عالم النباتيين وأشياء كثيرة . وكنا نقايض الحليب ومشتقاته والبيض بالمواد النباتية مع بعض الرفاق .
أما اللحوم والمواد الحيوانية التي نأخذها من السجن ، فنسلمها لبعض الرفاق . وكنت اخصص حصتي من اللحم للرفيق رشيد منير. لأنه كان يبدو لي أصغر سنا . وكنت اقول مع نفسي اللحم قد يفيده في التحمل اكثر مني.
أدعو له الآن بالشفاء.
واذكر أن من ذكرياتي معه.
" انه صنع من قطعة اللحم التي كنت اسلمها له نكتة ظل يحكيها لكل معارفنا المشتركين . منذ أن خرجنا من السجن ، وهو كلما التقينا ولو صدفة ، إلا و يطلب ممن قد يكون حاضرا معنا ، ان يدعو للرفيق الباهي عبد السلام بالخير . فيتساءل الحاضر عن مناسبة الدعاء وسببه . فيجيبه رشيد بروح البسط والسذاجة . يوم كنا في السجن كان يتبرع علي بحصته من اللحم التي توزع علينا في الزنازن .
حلقة الاكل النباتية مع اسيدون تعلمت فيها الكثير حول نظام الاكل النباتي. واحسست فعلا بفوائده التي تبدو بارزة على الصحة واللياقة البدنية والقدرات والمعنويات .
وهذه فائدة أخرى من فوائد الحياة التي جمعتني مع رفيقي المعطي سيون اسيدون.
22/01/2021
عبد السلام الباهي
يتبع

السبت، 6 فبراير 2021

تأملات في زمن الاعتقال السياسي السري بالمغرب

 تأملات في زمن الاعتقال السياسي السري بالمغرب



نشر في أخبارنا يوم 29 - 03 - 2014

الاعتقال السياسي هو قضية من القضايا الطبقية الكونية التي ترتبط بشكل مباشر بالأنظمة الديكتاتورية التي تسعى دائما وراء احتكار السلطة لنفسها دون اشراك باقي الأطراف المعارضة،وبالتالي عزلها عن الساحة السياسية والاجتماعية عن طريق الاعتقال والزج بها في غياهب المعتقلات السرية والسجون،فما المقصود بالمعتقل السياسي؟
يحيل مفهوم المعتقل السياسي إلى كل شخص تم توقيفه أو حجز حريته بدون قرار قضائي بسبب معارضته للنظام في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم او بسبب مبادئه السياسية أو دفاعه عن الحرية .
تميز مغرب ما بعد الاستقلال الشكلي بانتشار بطش الايادي السوداء من خلال الاغتيالات وغزارة الاعتقالات السياسية ضمن صفوف المعارضين للسياسة التي ينتهجها النظام القائم آنذاك،وخاصة المتسلحين بالفكر الماركسي الرامي إلى قلب البنية من خلال الثورة على صناع القرار الذين يحكمون بالنار والحديد تارة والمكر والخديعة تارة أخرى،لكون المغرب كان يعيش تحت سلطة الاستثناء،وكان الطابع المميز للممارسة السياسية هو القمع والاكراه والاستبداد،ومن هذا المنطلق آثرت الانطلاق من دجنبر 1959 حين تم اعتقال الفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي فحوكم الأول ب 6 أشهر و الثاني بشهر واحد،على خلفية تآمرهما لاغتيال الحسن الثاني آنذاك. كما شكلت أحداث مولاي بوعزة 1973 أرضية خصبة للاعتقال السياسي الذي طال مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،بمعتقلات الترهيب السرية سيئة الذكر(درب مولاي الشريف بالدارالبيضاء،الكوربيس بذات المدينة،قلعة مكونة،تازمامارت،تمارة، دارالمقري بالرباط...) بعد اختطافهم و التنكيل بهم ولعل المناضل أحمد بنجلون و سعيد بونعيلات خير دليل على التربص الرهيب الذي انتهجه النظام الحاكم وقتئذ،حيث تم اعتقالهما بالعاصمة الاسبانية مدريد من طرف الشرطة الاسبانية يوم 29 يناير 1970،لتتم إحالتهما على المغرب عبر تسليمهما للشرطة السرية المغربية،التي نقلتهما عبر طائرة عسكرية بعد أن تم تقييد يديهما إلى الخلف و ربطهما من الأرجل بسلسلة حديدية متكونة من 73 حلقة واستبدال غطاء الرأس بعصّابة سوداء مع الأمر بالجلوس تحسبا لقيام المعتقل بأي حركة ،لأن الشرطة كانت تعتقد بخطورته كما جاء على لسان أحمد بنجلون.وبقيا على هذا الوضع حتى بعد أن زجا بهما وباقي المناضلين الحركيين في المعتقل السري دار المقري،وفي هذا يقول أحمد بنجلون:"...أما المكان الثاني فإنه دار المقري،كنت أقضي في المكان الذي وضعت فيه الليل و النهار ويداي مقيدتان وراء ظهري،وسلسلة حديدية على رجلي ،كنت أحس في بعض الأحيان أن لدي عدة أدرع،لقد كان الاحساس بألم القيد طاغيا إلى أبعد الحدود وكنت أجد صعوبة في الانتقال من وضعية إلى أخرى".وأضاف قائلا:"لقد قضيت سنة تقريبا وأنا في الاعتقال السري تحت التعذيب و الاستنطاق قبل أن نخرج إلى العلن عند قاضي التحقيق،ونحال على المحكمة لكي تقول كلمتها فينا ،المهم هو أن أوفقير أخذ يسألني عن بعض الأسماء الحركية في تنظيمنا مثل الحاتمي و غيره".
أوفقير، العشعاشي، الدليمي،قدوراليوسفي،الحمياني...هم الجلادون الذين سهروا على الاختطافات الرهيبة والاستنطاقات الجهنمية الدموية لخيرة أبناء الشعب، سعيا وراء تشتيت التنظيمات الرامية حسبهم إلى إنشاء الجمهورية على أنقاض النظام القائم من خلال تحالف العمال مع الحزب الثوري استنادا على حرب التحرير الشعبية ،أما أفازاز وعبد اللطيف اللعبي... فهم الذين ترأسوا عدة محاكمات سياسية أفضت إلى الحكم على مئات الشباب الطامح إلى التغيير بقرون من الزمن في ظل محاكمات صورية،تحت دريعة ملفات مفبركة وصورية كذلك ، إذ أنه رغم الاختلافات في التوجه الايديولوجي بين أعضاء التنظيمات إلا أنه تمت محاكمتهم على خلفية ملفات موحدة واعتقلوا بمعتقلات سرية واحدة،ولعل محاولة استئصال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،خلال 1973،أي بعد أحداث مولاي بوعزة أو ما يعرف بأحداث 3 مارس وهي أحداث ناجمة عن تسرب عناصر مغربية من الحدود الجزائرية إلى داخل الوطن،والتي حوكم بمقتضاها 160 معتقلا تحت صك اتهام مفاده أن هناك مؤامرة كانت تحاك ضد الأمن الداخلي للبلاد حيث تضمن أن هناك تدبيرا مسبقا تمثل في أنه كانت هناك تداريب على حمل السلاح أقيمت في بعض الدول العربية من قبيل سوريا والجزائر تحت إشراف الفقيه محمد البصري،سعيا وراء القيام بتمرد داخلي في الأطلس المتوسط،لأن الاحتقان الذي كانت تشهده البلاد سيساهم في ثورة قبائل الأطلس والجنوب بمجرد إطلاق أول رصاصة وبالتالي ستعمم الثورة على باقي جهات وأقاليم الوطن من شأنها أن تؤدي بتغيير النظام أو إسقاطه، مما استدعى محاكمة المعتقلين ال 160 محاكمة عسكرية بمدينة القنيطرة كان بطلها عبد اللطيف اللعبي الذي ترأس جملة من المحاكمات السياسية أهمها محاكمة مراكش 1971،والتي صنف خلالها المعتقلين ال 160 إلى معتقلين سياسيين ومعتقلين عسكريين،وبالتالي صدرت أحكام براءة في صفوف المعتقلين السياسيين وفي المقابل تراوحت أحكام المجموعة الثانية بين الإعدام وخمس سنوات سجنا نافذا،حيث تم إعدام 20 معتقلا،من المجموعة الثانية،أما أفراد المجموعة الأولى فرغم أحكام البراءة التي صدرت في حقهم كما غطتها الاذاعة و التلفزة المغربية و كذا جريدة العلم ووكالة المغرب العربي للأنباء، إلا أنه تم ضرب كل ذلك عرض الحائط حيث تم تجاوز كل الاعتبارات القانونية والإنسانية بعدما تم نقل المحكوم عليهم بالبراءة إلى المعتقل السري بتمارة بعدما وضعوا عليهم العصّابات و قيدوهم بالأصفاد،حيث قضوا 6 أشهر هناك،ومن ضمن هؤلاء نجد:(عمر بنجلون،محمد اليازغي،اسماعيل عبد المومني،أحمد بلقاضي،توفيق الادريسي،عمرالخطابي،مصطفى القرشاوي،عبد العزيز بناني...) ليتم بعدها تقسيمهم إلى 3 مجموعات،أولاهما شكلت من 32 معتقلا،وهم الذين تمت إحالتهم على القضاء من جديد،على خلفية ملف مفبرك يتعلق بمحاولة اغتيال الحسن الثاني و التخطيط للهروب من السجن ،سعيا وراء احتلال السفارة المغربية بلندن، ليتم إعادتهم الى السجن المركزي بمدينة القنيطرة فأطلق سراحهم خلال شهر غشت 1974 وحوكموا في المحكمة الجنائية بالرباط خلال 1976 حيث أصدرت في حقهم أحكام بالبراءة،أما أفراد المجموعة الثانية فتم نقلهم الى المستشفى بغاية إطلاق سراحهم فيما بعد ومن بينهم محمد الحلوي و بلقاضي و محمد اليازغي الذي نقل حينها إلى مدينة افران ووضع تحت الإقامة الجبرية إلى غاية شهر يونيو 1974 وهو زمن الإفراج عنه،بينما وزع أفراد المجموعة الثالثة على معتقلات سرية أخرى من قبيل قلعة مكونة،درب مولاي الشريف،تازمامارت أو دار المقري...
إن الهاجس القمعي والتصفوي الذي خيم على النظام خلال 1973 أدى إلى اعتقال مايزيد عن 5000 مناضل اتحادي وزعوا على المعتقلات السرية سابقة الذكر، إذ احتضن درب مولاي الشريف ما بين 300 و400 مناضل اتحادي بينما تم الزج ب 1300 آخرين بالكوربيس بآنفا، بالاضافة الى محاصرة ومداهمة وإغلاق المقرات الحزبية الاتحادية سعيا وراء القضاء على التنظيم الذي أزعج النظام وأربك حساباته،لكن رغم الحسابات الدقيقة التي أجراها وخططها صناع القرار فإنها لم تأتي أُكلها لأنهم عالجوا الأزمة بأزمات أكثر حدة و تعقيد، وبالتالي أفسحوا المجال بمصراعيه أمام اليسار الجديد الذي خرج بقوة وبحجم كبير خلال هذه المرحلة، بداية من فاتح ماي 1973 والمتمثل في الحركة الماركسية اللينينية التي آمنت بقيام نظام جمهوري عن طريق التحالف مع العمال و الفلاحين والحزب الثوري ومنه خوض حرب التحرير الشعبية،والتي من شأنها إعطاء الكلمة النهائية للشعب للفصل في الاتجاه الذي يجب أن تسير وفقه حركة التاريخ،ولعل هذا المشهد سبق له أن حدث خلال 1965 حين النكسة التي شهدها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،وعدم قدرته على تحمل مسؤولية مجابهة النظام شديد البأس،وخاصة بعد أحداث 23 مارس 1965 الدامية بشوارع الدار البيضاء التي قادها محمد أوفقير وقتئذ ،بفعل الانتفاضة الشعبية التي جاءت كنتاج لقرار بلعباس القاضي بمصادرة حق أبناء الجماهير الشعبية في التعليم مما دفع الجماهير الشعبية للخروج إلى الشوارع للدفاع عن مصالحها الطبقية، فعمد النظام كعادته على قمع الجماهير المنتفضة و شن حملة اعتقالات في صفوف الجماهير الشعبية كانت هي الأوسع مقارنة مع الفترة التي سبقتها من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال الشكلي حتى 1965،وبحكم الانكسار العميق الذي أصاب نفوس أبناء ألشعب بدأت تتشكل تنظيمات ماركسية لينينية مؤطرة بالفكر الاشتراكي العلمي، فكر الطبقة العاملة، تمثلت في منظمة إلى الأمام،منظمة 23 مارس ولنخدم الشعب،فبالنسبة للأولى خرجت من رحم التنظيم الذي كان يعرف ب "أ" وهي الجماعة التي انشقت على حزب التحرر والاشتراكية وهي التي تحولت فيما بعد إلى منظمة إلى الأمام ،و"ب"هي الجماعة التي سهر على تقعيدها مناضلين من قبيل(عبد اللطيف الدرقاوي، سيون أسيدون، كمال الحبيب، محمد باري) التي تكونت بعد تكتل الأنوية الطلابية والتلاميذية وبعض القيادات السياسية اليسارية الشابة، إضافة إلى بعض الطلائع النقابية وبعض رموز الحركة الثقافية الثورية خلال الستينيات وخصوصا بعد أحداث 23 مارس 1965 والتي تم توحيدها خلال 1970، وبالتالي أنتجت ما يسمى بمنظمة 23 مارس، وبعدها منظمة لنخدم الشعب ذات المرجعية الماوية (نسبة إلى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ)،الذي له كتاب صغير تحت عنوان "لنخدم الشعب"والتي لعب فيها كل من عمر الزايدي ومحمد شغو الدور الأكبر.
لقد تعرضت الحركة الماركسية اللينينية لتضييق خانق من لدن النظام القائم و المتمثل في الاعتقالات المتتالية بداية من 2 ،3 ،4،5،و6 نونبر 1974،وذلك نظرا للالتحام الكبير الذي شهدته الحركة مع الجماهير الشعبية،مما جعل النظام يهرع إلى الاعتقالات بالجملة في وسط هذه الحركة التي خرجت الى الوجود بقوة لم تكن متوقعة والزج بمناضليها في غياهب المعتقلات السرية من قبيل المعتقل سيء الذكر درب مولاي الشريف الذي كان في البدء عبارة عن مخفر رسمي للشرطة بالحي المحمدي لفترة من الزمن، بيد أنه تحول فجأة الى معتقل سري ،يسكنه عناصر من قوات التدخل السريع بالأعلى ويزج بالمعتقل السياسي بالطابق السفلي وهو عبارة عن مكاتب وممرات ضيقة،وكان يدخله المعتقل وهو معصوب العينين ومكبل بالأصفاد،مع الشتائم و السباب والقذف بالكلام السوقي والفاحش والضرب المبرح من طرف الجلادين، مما يجعله لا يعي الوجهة التي يسلكها خاصة إذا كان من مدينة أخرى بل حتى أن القليل من معتقلي البيضاء من كان يعي وجهته من قبيل المناضل الماركسي اللينيني صلاح الوديع الذي ناضل الى صفوف الجماهير من داخل منظمة 23 مارس،و الذي دخل درب مولاي الشريف في ربيعه 12 في زيارة لوالده المعتقل الاتحادي، ثم عاد إليه وهو معتقل سياسي في سنه 22 ،حين تم اعتقاله يوم 8 نونبر 1974 على الساعة 11و20 دقيقة صباحا،والذي قضى في نفس المعتقل 17 شهرا قبل إحالته على المحاكمة ،تحت سياط الجلاد بمختلف تلاوين التعذيب والتنكيل، كالتجريد من الملابس المدنية وتعويضها ببذلة كاكية والتي لايحق له استبدالها إلى غاية الخروج من المعتقل كما أنه كان محروما من الاغتسال طيلة المدة التي قضاها هناك مع التجويع المستمر، اللهم ما يسمح له بالبقاء على قيد الحياة، حيث كان يقدم للمعتقلين خبزة "معجنة" مع كوب من الشاي في الصباح الباكر، والقطاني خلال الظهر و الليل،الحمص،الفاصوليا،الأرز أو الفول،كما يجبر على حلق الرأس،وعصب العينين ومنعه من الكلام مع أي كان حتى في حالة رغبته في قضاء حاجته البيولوجية كان لزاما عليه طلب ذلك من "الحاج"لأن الحراس من داخل الزنازين كان يطلق عليهم لقب الحاج،فكل هؤلاء الحُجّاج، كانوا يمثلون الجلاد والجزار الذي يسهر على تلقين خيرة شباب المغرب حصص من العذاب المبين داخل الزنازين والمتمثلة في جملة من اشكال التعذيب من قبيل الخنق بالماء الممزوج بالصابون أو أي مادة أخرى من مواد النظافة من قبيل "كريزيل"،ثم هناك الفلقة المباشرة،أو"البيروكي":أي يتبث المعتقل من يديه ورجليه على عمود أفقي يقف على عمودين آخرين،حيث يكون رأسه على مقربة من الالتصاق بيديه ورجليه،وظهره مقوسا ويضرب على رجليه في تلك الوضعية،وهو أقصى أنواع الضرب خاصة حينما يتم بشكل بطيء مع إضافة الملح والماء على الجروح،حينها يصبح المعذُب غير قادر على المشي،وفاقدا الإحساس بقدميه،كما أن هناك ما يعرف بالطائرة أو"الطيَارة" وهي وضعية "البيروكي"مقلوبة.
إن هذه الأنواع من العذاب التي تعرض لها الآلاف من الشباب المناضل داخل زنازين التعذيب بالمعتقلات السرية من قبيل دار المقري، قلعة مكونة، أكدز،"الكومبليكس" ،تازمامارت،تمارة،الكوربيس...،درب مولاي الشريف الذي استقبل خلال شهر يناير 1975 ما يزيد عن 600 معتقل،وهي المرحلة الاولى المرتبطة بالتحقيقات و الاعتقالات التي طالت مناضلي الحركة الماركسية اللينينية من أجل القضاء عليها كما تصور جهاز المخابرات السرية،وهنا تمت إحالة مجموعة من المناضلين الى المحكمة التي أدانتهم بأحكام ثقيلة تراوحت بين 5 سنوات و الإعدام ،إذ كان عددهم 169 بعد الغربلة و التصفية خلال 1975، حيث أدت بكثير من المناضلين الى مفارقة الحياة بعد صمودهم تحت نيران آلة التعذيب الجهنمية والامتناع عن تقديم أي اعتراف من شأنه أن يضر بالتنظيم الذي ينتمون إليه، وفي هذا المضمار نذكر المناضل عبد اللطيف زروال، القائد الشيوعي، الأممي، الثوري وهو قيادي وعضو الكتابة الوطنية لمنظمة " إلى الأمام " الذي استشهد تحت سياط الجلادين بالمعتقل السري درب مولاي الشريف حيث كان آخر ما نطق به "أموت فداك يا وطني"، وكان ذلك يوم 14 نونبر 1974 ،وكذا رفيقه أمين التهاني المسؤول والقيادي في نفس التنظيم، ابن وجدة البار الذي تم اختطافه وزوجته يوم 27 أكتوبر 1985 واقتيادهما لنفس المعتقل حيث استشهد يوم 6 نونبر 1985 من جراء التعذيب الذي تعرض له منذ لحظة القبض عليه، كما لا ننسى استماتة عبد الله زعزاع في الصمود وهو من قيادي منظمة الى الامام كذلك،والذي حوكم بالمؤبد الى جانب أبراهام السرفاتي، عبد الفتاح الفاكهاني،بلعباس المشتري،وعبد الرحمان نوضة.
وعلى سبيل التذكير فإن حصص الاعتقال والتعذيب والتنكيل لم تستثني العنصر الأنثوي حيث تم اعتقال المناضلة الديناميكية في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد المغربي للشغل ومنظمة إلى الأمام، والتي اختطفت في 16 يناير 1976، لتتذوق بعدها ألوان من التعذيب بدرب مولاي الشريف ، بمعية رفيقاتها فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح، والسيدة بييرادي ماجيو الإيطالية المساندة والمدعمة لمناضلي الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب،ومنه فقد حوكمت سعيدة المنبهي مع مجموعة أبراهام السرفاتي أو ما يعرف بمجموعة 138 بخمس سنوات سجنا نافذا زائد سنتين بتهمة الإساءة إلى القضاء حيث خاضت مع رفاقها مجموعة من الإضرابات عن الطعام توجت بالإضراب اللامحدود عن الطعام وذلك لسن قانون المعتقل السياسي وفك العزلة عن الرفيقات وعن المناضل إبراهيم السرفاتي.والذي أدى الى وفاتها بعد يومها الرابع والثلاثون يوم 11 دجنبر 1977 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء. بالإضافة إلى فاطنة البيه التي اعتقلت يوم 17 ماي 1977 وتم الزج بها في درب مولاي الشريف بمعية خديجة البخاري،ماريا الزويتني،وداد البواب،لطيفة اجبابدي،نكية بودا،بعدما تم اختطافها لمدة 7 أشهر دون أن تعلم أسرتها مكان تواجدها وقضائها 3 سنوات سجنا دون محاكمة،20 يوما في سجن اغبيلة بالدار البيضاء و المتبقى من الأيام بسجن مكناس،والتي عرضت عن المحكمة بعد خوضها لإضراب عن الطعام دام 20 يوما،ليتم إحالتها بعد ذلك على المحاكمة التي قضت بإدانتها بخمس سنوات سجنا تحت تهمة تهديد أمن الدولة، فيا للعجب شابة تهدد أمن الدولة وشاب يسقط النظام استنادا لقوة السلاح ،لكن أي سلاح وأي تهديد؟
لقد استعمل النظام القائم خلال سنوات الجمر والرصاص كل قواه وأجهزته العلنية والسرية من أجل الحفاظ على كرسي الحكم عن طريق النار والحديد، مداهمات اعتقالات بالجملة،اغتيالات،إعدام في صفوف الحركة الماركسية اللينينية والقوى الاشتراكية والشيوعية عامة،التي كان من شأنها تهديد مصالح النظام وذيوله تحت مبررات درائعية ،اتهامات ثقيلة ومحاكمات صورية مجحفة ب 22 و30 سنة، بالمؤبد تارة والإعدام تارة أخرى دون احترام لأي قانون كان سماويا أو وضعيا وعدم مراعاة أي بند من بنود حقوق الانسان.
أعدم عمر دهكون و21 مناضلا منهم الملياني ومصطفى جدايني...،استشهد عبد اللطيف زروال والتهاني أمين تحت سياط الجلاد ،سعيدة المنبهي ،ومولاي بوبكر الدريدي ومصطفى بالهواري بعد الاضراب اللامحدود عن الطعام،حوصرالاتحاد الوطني لطلبة المغرب واعتقل مناضلوه كممت الأفواه المنادية بالحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية،تم انتهاج سياسة التدجين والاحتواء ونزع إنسانية الإنسان لكن ماذا بعد ذلك؟

الإجابة على هذا السؤال نتركها للقارئ من أجل التأمل العميق في التضحيات الجسام التي قدمها شباب كله تطلع لبناء بلد ديمقراطي متقدم يتيح الفرص للجميع ينبني على المشاركة والإشراك لكافة القوى المجتمعية فأين نحن من هؤلاء؟

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته

أحمد راكز: اعتز بعالم التطرف الذي عشته   غدا أحمد راكز و السلفية و السلفيون المتورطون و أحداث 16 ماي راكز: هذه كواليس انقلاب الصخيرات  وسجون...